سوريا وخيارات الاستثمار وإعادة الإعمار

0

الجزء الثاني:

تكلّمنا في الجزء الأول حول وبخصوص عملية إعادة الإعمار في سورية، أمّا في هذا الجزء الثاني فسوف نتكلم حول وبخصوص مسألة الاستثمار.

– رغم وجود تطابقٍ في بعض المنطلقات بين الجانبين (الاستثمار وإعادة الإعمار)، إلا أنّ الاستثمار مسألة تختلف في كثير من الجوانب، وذلك لسببٍ جوهري، وهو أنّ الاستثمار عملٌ ربحيٌّ وعائدي، وفيه مصلحة ماديّة تقابل الإنفاق وتوظيف رأس المال، وهذا سببٌ قويٌّ لرجاءٍ ولتوقّع دفع الأموال وتقديمها.

– بدايةً نقول: إنّه لتأمين الاستثمار، فإنّ هناك مصادر تمويل ورؤوس أموال خارجية وأخرى داخلية وذاتية، ولكن في جميع الأحوال فإنّ هناك إجراءات عامة وضرورية لا بدّ من القيام بها.

– فكيف سنقود وندير عمليات الاستثمار في سورية الجديدة؟ وماذا يجب علينا؟ وكيف يجب أن نتصرف؟

أولاً: يجب علينا كسب ثقة المستثمرين من الخارج ومن الداخل على حدٍّ سواء، واكتساب القدرة على لفت نظرهم وجذبهم وإغرائهم للاستثمار، وتبديد مخاوفهم ومحاذيرهم، وذلك من خلال ما يلي:

  1. يجب توطيد الأمن الوطني والقومي من أيِّ مقوِّضٍ أو مزعزعٍ خارجي، وترسيخ الأمن والاستقرار الداخلي، وإبعاد شبح الصراعات وضمان وإظهار القدرة على حصرها وقمعها تماماً، كما يجب تأمين الأمن والأمان والسلامة التامة للمجتمع والمواطنين والممتلكات بكافة أشكالها، لأنّه لا استثمار من دون الشعور الكامل بالأمن والأمان التام. وهذا يتطلّب وجود ما يكفي من قوات ووحدات الجيش والأمن العام المدرَّبة والمؤهَّلة والمتمتعة بالكفاءة والخبرة والمهنية والنزاهة والانتماء الوطني السليم.
  2. اعتماد وإظهار المؤسسية والشفافية، وذلك من خلال النهج العلمي والتكنوقراطي في اختيار الموظفين والكوادر، وتعيين شخصيات وقامات مشهورة ومشهودٍ لها، كما يمكن الاستعانة بالخبراء والاستشاريين الأجانب.
  3. إعادة بناء وتأسيس وهيكلة النظام المالي والمصرفي والمؤسسات والدوائر المالية والبنوك والمصارف، وذلك وفق أحدث الطرق الاقتصادية وأكثرها علميةً وتطوراً.
  4. إصدار حزمة من القوانين تتعلّق بالاستثمار وتخدم جوانبه، وهذه القوانين تُصدَر رسمياً وأصولاً وبشكلٍ موثّقٍ ومشرعن، وتتركّز في الجوانب التالية:

أ- ضمان الاستثمار وحقوق المستثمر.

ب- مسألة العمالة وبيان وتفصيل ما يتعلّق بها وتأمين اليد العاملة وضمان حقوق العاملين وواجباتهم.

ج- القوانين المالية، وهي ما يتعلّق بالبنوك والمصارف الخارجية وإمكانية افتتاحها ونشاطها داخل سورية، وما يتعلّق بذلك من قوانين تخصّ تقديم القروض والفوائد وتنسيق نشاطها مع النظام المصرفي السوري، وكذلك القوانين التي تخصّ البنوك السورية وقروضها وفوائدها، إضافةً إلى القوانين المتعلقة بالاستثمار، مثل شؤون الأرباح والضرائب وضبط التسويق والتصدير والاستيراد، وإدارة ذلك ضمن المصالح الوطنية العليا.

ثانياً: العمل الدؤوب على جذب المستثمرين ولفت نظرهم وتوجيههم ضمن إطار المصلحة الوطنية، ولهذا يجب ما يلي:

  1. يجب امتلاك واستخدام وسائل إعلام ناجحة وقادرة على إيصال الفكر والرغبات السورية، ويمكن الاستعانة بوسائل إعلام مشهورة وعالمية بهدف الترويج والإغراء بالاستثمار.
  2. يجب إقامة مهرجانات ومعارض ومنتديات اقتصادٍ واستثمار، والمشاركة في ما هو موجود منها في الدول المستهدفة، بحيث يجري الطرح والترويج وحتى تقديم العروض المدروسة.
  3. الاستفادة من واقع البلاد المتعطشة جداً للاستثمار والنشاط الاقتصادي، وإغراء المستثمرين بالفراغ القابل للملء بسهولةٍ وبعائدٍ وربحٍ مضمون، ودون وجود منافسين يزيدون الأعباء.
  4. العرض الجاد والتفاوض حول منح امتيازات وفرصٍ في مجالاتٍ حيويةٍ ومهمة وضرورية بالنسبة للبلاد، وهي بالنسبة للمستثمر رابحة وناجحة بالتأكيد. وهذه العروض مثل:

أ- الاستثمار في صناعة السيارات وجميع وسائل النقل المناسبة، مع إعطاء ميزة حصر السوق الداخلي وتقنين الاستيراد.

ب- الاستثمار في المكننة والآليات الزراعية، إذ هناك حاجة كبيرة يمكن الاكتفاء بها مع ميزة منع استيراد ما ينافس الإنتاج.

ج- الاستثمار في الصناعات الزراعية التحويلية كالسكر والزيوت والصناعة النسيجية المتكاملة وما يشابه هذه القطاعات.

ثالثاً: التحاور مع كبرى الشركات والدول للاستثمار في مجال النفط والثروات المعدنية والباطنية والمناجم، مقابل شروطٍ متوازنة تحفظ مصالح البلاد وتضمن أرباحاً مغرية للمستثمر، وذلك لفترةٍ زمنية محدّدة.

رابعاً: التحادث والتفاهم مع الدول المناسبة للاستثمار في مشاريع دولية وإقليمية في غاية الأهمية، مثل تنفيذ الطرق البرية والسكك الحديدية بهدف النقل التجاري والترانزيت، وكذلك الاستثمار في جانبٍ في غاية الأهمية، وهو تنفيذ مشاريع نقل النفط والغاز ونقلهما عبر الدول والقارات.

إنّ كلّ ما عرضناه آنفاً كان يتعلّق بالاستثمار عن طريق رأس المال والتمويل الخارجي وطرق جذبه واستقطابه، ولكن الآن سوف نلقي الضوء على الاستثمار بتمويلٍ داخلي.

الشق الثاني: الاستثمار بتمويلٍ داخلي

وهو ينقسم إلى قسمين:

  1. عن طريق المواطنين والرساميل والمدخرات الوطنية والمحلية.
  2. الاستثمار الحكومي وقيام الدولة بتأمين التمويل والاستثمار.

ولإنجاح القسم الأول واستثمار المواطنين – إضافةً إلى ما ذكرناه سابقاً بشكلٍ عام – يجب ما يلي:

  1. استغلال حالة عزوف الجمهور عن الإيداع في البنوك وعدم استخدام الفوائد البنكية، واعتبار أنّ الكتلة المالية بأيدي المواطنين.
  2. بعد كسب الثقة يجب التوعية والتثقيف الاستثماري وتعزيز دافع التشارك، ويجب توجيه الرساميل نحو الاستثمار الأفضل.
  3. إدارة وترشيد وتوجيه إنشاء شركات مساهمةٍ واستثمارية، وافتتاح سوقٍ للبورصة.
  4. منح امتيازاتٍ وتسهيلاتٍ وشفافيةٍ وبساطةٍ في التعامل والإجراءات.
  5. افتتاح ندواتٍ وملتقياتٍ حول الاستثمار، وإنشاء منصّات حوارٍ جاد مع المسؤولين، وسنّ القوانين اللازمة للتنظيم والجذب.

وأخيراً بقي لدينا مناقشة الاستثمار الحكومي أو الذاتي، فكيف يمكن للدولة والحكومة أن تتصرّفا لكي توفّرا رؤوس الأموال وتستثمراها؟

  1. تأمين رأس المال والتمويل من الإيرادات الحكومية، ورغم ضعف الموارد لكنها موجودة، فهناك مدخولات المعابر والضرائب. يمكن تخصيص بنوكٍ للاستثمار، ويمكن رفع قيمة الفائدة لجذب الإيداع من الخارج ومن الداخل، ومهما يكن من أمر، تبقى هذه الطريقة أفضل وأسهل تعاملاً من بنوك الدول أو البنك الدولي وشروطه.
  2. يمكن تأسيس شركةٍ قابضةٍ واستثمارية، وبعد كسبها ثقة الجمهور يمكن بيع ما يمكن بيعه من رأس مالها وحجمها المالي على شكل أسهمٍ بأسعارٍ مناسبة.
  3. كما يمكن اعتماد طريقةٍ ذكية في الاستثمار وتوجيهه، وذلك بقيام الحكومة بإنشاء مصنعٍ أو منشأةٍ إنتاجيةٍ في مختلف المجالات، ثم طرحها للبيع بعد الانتهاء من إنشائها وانطلاقها في الإنتاج، ويمكن استخدام ثمنها لبناء منشأةٍ أخرى، وهكذا.
  4. يمكن قيام الدولة بعملية خصخصةٍ متوازنةٍ ومفيدة، وذلك بالاستفادة من واقع وجود ما كان يُعرف بالقطاع العام، وهو للأسف قطاعٌ مهترئٌ ومتخلفٌ ومتوقف، فيمكن بيع ما بقي منه من عقاراتٍ وغيرها بشرط استخدام ثمن المبيع لإنشاء مصانع حديثة.
  5. يمكن الاستثمار الزراعي بشكلٍ واسع، وخاصةً في مجال الزراعة المركزة الحديثة التي تعتمد مساحاتٍ صغيرة وكمياتٍ متوفّرة من المياه، وكذلك في مجال مزارع الدواجن والمواشي.
  6. يمكن أن تتوجّه الدولة للاقتراض من الخارج ولكن بحجمٍ محدود يمكن تسديده، ويُستثمر القرض في جانبٍ عاجلٍ وضروري ويكون مضمون الإنتاج والأرباح بعيداً عن المغامرة.

وبالطبع، هناك أفكارٌ جيدة وناجعة للنهوض بالاستثمار، ولكنها تتطلب وجود مؤسساتٍ علميةٍ ومقتدرة.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني