السويداء: مأزق “الفخ المزدوج” ومسارات الخروج الممكنة

0

قراءة في خلفيات الأزمة وتحوّلات المشهد السوري

شهدت محافظة السويداء خلال الأشهر الأخيرة واحدة من أكثر لحظات التاريخ السوري حساسية، إذ تحوّلت المدينة الهادئة نسبياً إلى بؤرة اختبار لتوازنات داخلية وإقليمية معقّدة. الأزمة لم تبدأ من فراغ، بل جاءت نتيجة تراكمات طويلة من التوترات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، تفجّرت بعد زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى دولة أذربيجان في تموز/يوليو 2025، في وقتٍ كانت فيه البلاد تشهد إعادة رسم لخرائط النفوذ ومشاريع التسوية.

جذور التوتر: من حادثة الخطف إلى الانفجار

بحسب مصادر محلية وشهادات من أبناء المحافظة، بدأت الشرارة الأولى حين أقدمت مجموعة من البدو على خطف تاجر درزي من أبناء السويداء، ما أثار موجة غضب واسعة في الأوساط المحلية، لتبدأ بعدها سلسلة من عمليات الخطف والخطف المضاد. هذا السلوك لم يكن جديداً تماماً؛ إذ تعود جذور الخلافات بين الدروز وبعض العشائر البدوية إلى عقودٍ مضت، كانت فيها المسائل العشائرية تتداخل مع حسابات السلطة والأمن والاقتصاد.

غير أن ما جعل الأزمة الحالية أكثر تعقيداً هو تغيّر السياق السياسي العام. فالمحافظة التي نأت بنفسها عن الصراع المسلح في السنوات السابقة، وجدت نفسها فجأة أمام اختبار وجودي: كيف تحافظ على أمنها وهويتها في ظل دولة تتفكك، وحدود تتحرك، وحلفاء يتبدّلون؟

الفخ المزدوج: النظام وحلفاؤه

ما حدث في السويداء لا يمكن النظر إليه على أنه مجرد صدام محلي. فالنظام السوري نفسه بدا وكأنه وقع في الفخ ذاته الذي أراد نصبه. إذ كان يعتقد أن السماح بتصاعد الفوضى في الجبل سيضغط على المجتمع المحلي للعودة إلى “حضن الدولة”، غير أن ما جرى كان عكس ذلك تماماً: زادت المسافة بين الطرفين، واتسع الشرخ بين السلطة والمجتمع الأهلي.

ثم جاءت المجزرة  التي وقعت في منتصف تموز لتصب الزيت على النار، بعدما استُهدف عشرات المدنيين من أبناء الطائفة الدرزية في حادثةٍ وُصفت بأنها الأكثر دموية منذ سنوات. وقد أثارت المجزرة صدمةً واسعة داخل البلاد وخارجها، وأعادت إلى الواجهة أسئلة حول دور الأجهزة الأمنية ومن المستفيد من تأجيج العنف في الجنوب.

البعد الإقليمي: رسائل نيران إسرائيلية

وفي خضمّ هذا المشهد المأزوم،وفي 16/7/2025 نفّذت إسرائيل غارات جوية عنيفة استهدفت مواقع في العاصمة دمشق، بينها مبنى تابع لهيئة الأركان. ورغم أن تل أبيب لم تربط رسمياً ضرباتها بما يجري في السويداء، فإن التوقيت جاء بعد أيام فقط من تصاعد الاشتباكات، ما أوحى لكثير من المراقبين بأن الرسالة كانت مزدوجة: تحذير للنظام من أي تمدّد في الجنوب، وتذكير بأن ميزان الردع لا يزال في يد إسرائيل.

رمزية العلم الإسرائيلي في ساحات الكرامة

بعد أسابيع من المجزرة، رُفع العلم الإسرائيلي في إحدى ساحات السويداء خلال تظاهرة احتجاجية. هذه الحادثة لم تكن مجرّد فعل رمزي عابر، بل تعبير عن حالة يأس واحتجاج لدى بعض الشبان الذين أرادوا القول إنهم فقدوا الثقة بكل الأطراف: النظام والمعارضة على حد سواء. ومع أن الغالبية من أبناء الطائفة رفضت هذا التصرف واعتبرته مستفزاً، إلا أنه كشف عن عمق الأزمة النفسية والسياسية التي تعيشها المنطقة.

معادلة الداخل والخارج

أصبحت السويداء اليوم عالقة في فخٍّ مزدوج: من جهة، تجد نفسها في مواجهة سلطة مركزية عاجزة عن احتوائها إلا بالعنف، ومن جهة أخرى، تخشى أن تتحوّل إلى ورقة تفاوض بيد القوى الإقليمية والدولية. وبين هذين الطرفين، يقف المجتمع المحلي ممزقاً بين الرغبة في الحفاظ على هويته وبين الحاجة إلى البقاء ضمن دولة سورية جامعة.

مسارات الخروج الممكنة

رغم قتامة المشهد، لا تزال هناك فرص واقعية للخروج من الأزمة. أهمها:

  • حوار وطني شامل يضمن مشاركة فاعلة لأبناء السويداء في صياغة مستقبل البلاد.
  • إطلاق لجنة مصالحة محلية بإشراف عربي، تُعنى بإنهاء النزاعات مع العشائر البدوية على أسس العدالة والمساءلة.
  • تعزيز الإدارة المحلية وتمكين المجتمع المدني من إدارة شؤونه الأمنية والخدمية بعيداً عن منطق الأجهزة المركزية.
  • ضمانات دولية بعدم استهداف المدنيين، ومنع أي طرف من استخدام الجنوب السوري كساحة لتصفية الحسابات.

السويداء اليوم ليست مجرد محافظة سورية مضطربة، بل مرآة تعكس مأزق سوريا كلها: دولة تبحث عن توازن جديد بين مركزٍ فقد السيطرة وأطرافٍ تبحث عن الأمان.
والخروج من هذا المأزق لن يكون بإطلاق النار، بل ببناء الثقة واستعادة العقد الوطني الذي تكسّر على مدى أكثر من عقد من الحرب.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني