
سوريا.. صراع البنى والمستقبل (3-3)
ثار السوري على دولة السلطة، دولة السلطة ليست دولة. دولة السلطة ديكتاتور مطلق السلطة، عصبية السلطة جيش طائفي وجهاز أمن طائفي، انتخابات شكلية زائفة لرئيس شرطه بالدستور أن يكون مسلماً، انتخابات زائفة لأعضاء مجلس الشعب، تنمر السلطة وجمهور عصبيتها على الأكثرية، قامت ثورة شعبية تحولت إلى ثورة مسلحة، قامت دولة السلطة بقتل مئات الآلاف من السنة وسجن مئات الآلاف من السنة وتدمير مئات الألاف من بيوت السنة في مدنهم وقراهم وتهجير ملايين السنة في الداخل وإلى الخارج.
وحصل ما لم نتوقعه، قام المعارضون الإسلاميون بقيادة أحمد الشرع بالإجهاز على دولة السلطة وفر الدكتاتور وبعض أدواته إلى روسيا. أسس الشرع جيشاً عقائدياً من الفصائل الإسلاموية المسلحة التي حكمت إدلب، ونقل سلطة إدلب إلى العاصمة بوصفها سلطة لكل سوريا.
إذاً انتقلنا من دولة سلطة إلى دولة سلطة مع الفارق بأن دولة السلطة الجديدة ذات عصبية سنية أكثرية انفجر مكبوتها الشعوري ضد من يجرؤ على النيل من السلطة الجديدة.
لكن هناك ثلاث جهات لا تعترف بأعماقها بهذه السلطة في صورتها الراهنة: أقلية كردية، أقلية علوية وأقلية درزية، مع أن الأقلية الكردية تنتمي إلى الأكثرية السنية والأقلية العلوية والدرزية تنتميان إلى الأكثرية العربية، إذاً الأقليات تنتمي إلى الأكثرية السنية والعربية، وقس على ذلك انتماء المسيحيين إلى الأكثرية العربية باستثناء الأرمن.
هذه ببساطة هي الحالة السورية بدون أي تعقيد، لكن هذا البسيط الواضح قد خلق المعقد الذي يقوم بعضهم بتبسيطة.
كيف نشأ هذا المعقد؟
لما كانت الثورة، بالأصل، ثورة على دولة السلطة فالبديل إذاً الانتقال إلى الدولة وسلطة الدولة، وليس الانتقال من دولة سلطة إلى دولة سلطة أخرى، حتى لو كانت دولة السلطة الجديدة تتمتع بتأييد الأكثرية السنية.
الدولة الجديدة البديلة يجب أن تكون دولة المواطنين المتساويين في الحقوق والواجبات.
الحقوق والواجبات المتساوية يحددها دستور ينص على ذلك صراحة «جميع المواطنين السوريين متساوون بالحقوق والواجبات بمعزل عن الانتماء الديني والقومي».
هذا المبدأ يقود مباشرة إلى انتاج سلطة الدولة عن طريقة الانتخابات الحرة والنزيهة المؤسسة على التنوع السياسي الحزبي والمدني. مع الاستقلال الكامل لمؤسسات الدولة الإدارية.
هب إن النظام السياسي جمهوري على الطريقة الأمريكية أو الفرنسية فحقوق المواطنة تمنح أي سوري الجنسية بمعزل عن دينه وقوميته أن يترشح لرئاسة الجمهورية. ولا يجوز بأي حال من الأحوال سلب هذا الحق عن أحد.
وإذا فكرنا عقلياً ما حاجة الدستور إلى تضمين بند يقول: رئيس الجمهورية يجب أن يكون مسلماً إذا كان المسلمون يشكلون تسعين بالمئة من السكان؟ فإذا كان الدستور واضح بتحديد صلاحيات الرئيس وخضوعه للاستجواب من المجلس النيابي الخ، فما الحاجة إلى تحديد الانتماء الديني للرئيس؟
وقس على ذلك إذا كان نظام الحكم برلماني على الطريقة الإنكليزية.
لكن تحقيق قيام سلطة الدولة هذه أمر معقد جداً، وليس بهذه البساطة في وطن مدمر سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وأخلاقياً، والجماعات المسلحة عدد ولا حرج والتدخل الخارجي قوياً.
لنأخذ مبدأً أساسياً من مبادئ الدولة ألا وهو احتكار القوة. فما هي الوسائل الكفيلة بتحقيق هذا المبدأ مع وجود مليشيات مسلحة علنية وسرية ومدعومة من قوى خارجية من جهة، وعدم الاعتراف بدولة السلطة التي تسعى في خطابها على الانتقال إلى سلطة الدولة، من جهة ثانية. إن حل هذا المعقد ليس أمراً بسيطاً. والتراجيديا محافظة السويداء شاهد على ذلك.
والحق بأن إعلان الدولة السورية الأولى في الثامن من آذار 1920 الذي تم في المؤتمر السوري الذي عقد في دمشق تجربة يمكن الاتكاء عليها.
فقد كان هناك ممثلون عن جميع المدن السورية من دير الزور إلى يافا.
والحق بأن إيجاد طريقة عادلة لانعقاد مؤتمر سوري لممثلي كل محافظات القطر للتداول في شأن الدولة وسلطة الدولة ومؤسسات الدولة واحتكار القوة فكرة قابلة للحوار وعلى نحو عاجل.
لكن هناك مشكلة في غاية التعقيد ومن الصعب تبسيطها وهي تجاوز تحطيم القيم الذي تم عبر عقود من الزمن والذي أضعف الانتماء الوطني والأخلاقي، لأن تجاوز القيم المحطمة وما ولدته من ذهنيات عنفية تنفي الآخر يحتاج إلى زمن طويل.
إن انتقال سوريا من دولة السلطة إلى الدولة الديمقراطية وسلطة الدولة لا يتم ولن يتم بالصراع المسلح بين أكثرية مدنية وفلاحية وبدوية سنية تؤيد السلطة الجديدة، من جهة وأقليات فلاحية لا تعترف بالسلطة الجديدة، من جهة ثانية، بل بذهنية مدينية تؤمن بالحوار السياسي بين نخب كل مكونات المجتمع السوري المستندة إلى قيم الاعتراف بالحق والمساواة والمواطنة.
سوريا والقطيعة التاريخية:
قدم الفيلسوف الفرنسي باشلار في زمانه مصطلح القطيعة المعرفية/الإبستيمولوجية لفهم تطور العلم. والمثال المشهور على هذه القطيعة هو الانتقال من المصباح الذي يعمل بالزيت واحتراق الفتيل إلى النور الكهربائي. والحق أن العلم يتجاوز ذاته باستمرار. والانتقال من نيوتن إلى آينشتاين شاهد على ذلك.
والسؤال هل هناك قطيعة تاريخيّة شبيهة بالقطيعة الإبستيمولوجية؟
يقوم الجوهر الأساسي لتأسيس سوريا الجديدة الآن في تحقيق القطيعة المطلقة مع ماهية البنية الأسدية وتأسيس بنية دولة جديدة، هذا أمر تاريخي يحتاج إلى زمن ليس بالقصير.
ما هي القطيعة التاريخية السورية الآن: الانتقال من الثورة إلى الدولة، ومن دولة السلطة إلى سلطة الدولة. وتحقيق المجتمع شخصيّته الفاعلة عبر الحزب والنقابة (الحزب السياسي والمجتمع المدني). وبتحقيق هذا تتم القطيعة التاريخية المطلوبة.
بكلمة مختصرة: القطيعة التاريخية السورية المطلوبة هي سوريا المتحررة من الأسدية شكلاً ومضموناً على نحو متجاوز ومنسجم مع روح التاريخ المعاصر والمعيش حيث لا انفصال بين الدولة والحق. الحق هو الذي ينسحب على المجتمع ومكوناته وأفراده وكل حديث عن حقوق الأقليات دينية أو قومية حديث أيديولوجي.
فانتصار حقوق الإنسان والجماعات في دولة الحق هو الذي ينتج المواطنة والمساواة وحق تعبير المجتمع عن تعدده واختلافه وانتمائه الوطني.
فالعنصرية: ليست عاطفة، العنصرية عقل سياسي وأخلاقي متخلف ذو موقف عدواني من آخر مختلف عرقياً، متعين بأيديولوجيا من الأكاذيب التاريخية.
والطائفية: ليست هوية، بل هي الانتقال من الطائفة إلى التعصب الطائفي ولا تؤمن بالتنوع التاريخي، بل نزعه تعصبية أقلوية تجمل نفسها أيديولوجياً.
القومجية: ليست حباً للأمة، بل وحدة الغباء العقلي والعاطفيّ المسلح بالحقد والأكاذيب.
والأصولية الدينية: ليست تديناً شعبياً محباً للحياة، بل الهراء الأيديولوجي حباً بسلطة تلعب دور سلطة الإله على الأرض.
كل صراعات بين المنتمين إلى هذه النزعات صراعات قاتلة ومدمرة للحياة.
أما الوطنية الإنسانوية: هي الوطن في أعلى درجات العيش المشترك وحب الانتماء إلى الوطن.
أما عن انفجار الهوية السنية الآن حسبنا أن نقول:
لم يشعر السنة بهوية تعصب في تاريخهم ولم يشعروا بأنهم طائفة دينية، لسبب وحيد وهو شعور الأكثرية بذاتها، ولهذا كان حزب الإخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي، أضعف الأحزاب السورية في المرحلة الديمقراطية.
ولكن الأسدية هي التي خلقت كل الشروط الموضوعية لتشكل الوعي الهوياتي الديني – الطائفي. وأخطر ما تكون من الوعي الهوياتي هو وعي الأكثرية السنية بذاتها بوصفه وعياً بظلم الأقلية الحاكمة. فلقد مست حالة التنمر الطائفي الأسدي طويلة الأمد بشعور الكرامة السنية بذاتها، وكونت ظاهرة التمييز في المكانة الشعور بالضغينة، وهكذا نشأ الوعي بالكرامة المهانة لدى الأكثرية السنية حتى لدى سنة النظام، الذين كانوا أكثر حقداً على النظام كما تبين بعد ذلك.
تحتاج هذه الواقعة لدى الأكثرية من الأكثرية إلى أجيال جديدة لتبرأ منها.
ولهذا فالخطاب الوطني الديمقراطي الوحيد الذي يعيد للسنه وعيها الحقيقي بذاتها السابق على الأسدية.
وإي إحساس جديد لدى الأكثرية السنية بالخطر يذكرها بما فات سيحوّلها إلى بركان ذي نتائج غير محمودة. فاحذروا.
بقي أن نقول حول هذه النقطة:
سوريا السنية هي التي تعاني من تدمير مدنها وقراها، ملايين يعيشون لاجئين في الخيام في لبنان وتركيا والأردن وداخل سوريا، مهاجرون إلى بلدان أوربا بعيداً عن لغتهم وعاداتهم وثقافتهم وتقاليدهم، سجون أكلت مئات الآلاف من أحباء الحياة، مفقودون لا أحد يعلم عن مصيرهم شيء، مقابر جماعية تُكتشف كل يوم، ملايين تحت خط الفقر أدمنوا العتمة بلا كهرباء، مئات الآلاف من المرضي ليس بمقدورهم التداوي، والإنسانويون الأحناء لا شغل لهم سوي القلق على ما تسميهم الأقليات.
منذ تقسيم بلاد الشام استعمارياً من القلقين على مستقبل الأقليات لم تعرف الدولة السورية – الشعب صراعاً لا في مدنها ولا في قراها بين أهليها على أساس ديني أو طائفي أو إثني.
وبعد:
لا مستقبل لسوريا المتحدة أو الإتحادية إلا بإنجاز العقد الوطني والعقد الوطني هو اتفاق ممثلي سكان الدولة على العيش المشترك في دولة تمثل جميع الناس وسلطة ينتجها المجتمع – الناس.
لقد حطمت الانقلابات العسكرية وبخاصة انقلاب حافظ الأسد العقد الوطني السوري الذي أسس سوريا الاستقلال، وتغولت دكتاتورية عسكرية وعصبية متخلفة، فحطم النسيج الوطني السوري، الذي نرى نتائجه الآن، ولا حل إلا بعقد وطني سوري بين جميع فئات المجتمع السوري دون استثناء.
إن العقد الوطني الذي يؤسس لدولة الحق والتعايش والسلم الأهلي، الذي بدوره ينتج العقد الاجتماعي أي السلطة الحاكمة ممثلة لكل المجتمع عبر صناديق الاقتراع، هو الحل الوحيد لتجاوز الدمار والدماء، وتجاوز أوهام القوى المنهارة في إعادة دولة الغلبة.