
من تحرير سوريا إلى توحيدها… المعركة واحدة
كانت كل السيناريوهات المطروحة لسوريا قبل تحريرها من نظام الأسد كارثية بكل المقاييس على الأرض والشعب معاً، وكانت تُنذِر باختفاء سوريا واقعياً وبقاءها على الخرائط وفي التاريخ والذكريات، ولن يكون موتها حدثاً كبيراً، إذ شهد القرن الماضي وبدايات القرن الحالي انهيار إمبراطوريات كبرى وانفجار دول بفعل ظروف ذاتية وموضوعية، فقد انهار الاتحاد السوفييتي العظيم، وانفجرت يوغسلافيا من الداخل، وسوريا بالطبع لن تكون منيعة عن الذوبان والانحلال بفعل الحرب الداخلية والصراع الدولي والإقليمي فيها وعليها، وبفعل فجوات عميقة بين مكوناتها ساهم نظام الأسد بصناعة الجزء الأكبر منها خلال ستة عقود، منها عقد ونصف من الثورة التي حاول الأسد الساقط فيها إبادة العرب السنّة أو تهجيرهم بذريعة قمع الثورة التي قاموا بها عليه.
وبما أنّ سوريا لم يُبنَ فيها هوية وطنية سورية جامعة لأسباب كثيرة، ولم تقم فيها دولة حقيقية ومجتمع مدني، فقد كان الانهيار والتفكك للدولة والمجتمع النتيجة المنطقية لكل تلك الظروف التي اجتمعت فيها…
كان المركز المتمثل في نظام الأسد منفصلاً عن الواقع ويدفع بالبلد إلى الانهيار، وهو بذلك يُنفّذ شعاراً مرفوعاً منذ أيام والده بأنّ هذه سوريا هي مزرعة لهم وأسموها “سوريا الأسد”، وبنظرهم إما أن تكون كذلك أو فلتذهب للجحيم. وقد رفع أنصاره عند انطلاق الثورة شعاراً طبّقوه على الأرض وهو: “الأسد أو نحرق البلد”، وشاء الله أن يُحرق الأسد وتنجو البلد…
كانت المناطق الأربعة على الجغرافيا السورية تملك جيوشاً وإدارات مدنية وعلاقات خارجية وأعلاماً ورموزاً خاصة، وتملك داعمين خارجيين لهم مصالح ونفوذ. وفي المشهد العام، كان من الممكن أن يكون التقارب والمسار والمصير بين نظام الأسد وتنظيم قسد واحداً، ومسار ومصير حكومة الإنقاذ والحكومة المؤقتة واحداً، وهو ما حصل بالفعل عندما حانت ساعة الحقيقة…
وجدت الدول المتدخلة في الشأن السوري (قبل التحرير) أنّ إبقاء الجرح السوري كما هو، وخياطته بقيحه، وضمان عدم انتقال الشرر إلى الجوار، مع تجنب الصدام بين جيوشها على الأرض، وإدارة الأزمة سياسياً عبر قرار الأمم المتحدة 2254 ومسار أستانة، وضخّ المساعدات الإنسانية، وتظاهر كل فريق بأنه قانع بحصته من الكعكة السورية… فيما الحقيقة أنّ كل فريق يتربص بالآخر على أمل تغير في الظروف الدولية يترك انعكاسه على موازين القوى على الأرض، بما يتيح قلب الطاولة على الآخرين. وحاول البعض إعادة تأهيل النظام باعتباره أهون الشرور للحفاظ على دولة فاشلة وضعيفة وفاقدة للسيادة والقرار تتيح حفظ مصالح اللاعبين الخارجيين. إلا أنّ الأسد رفض كل القشّ الذي رماه له البعض لإنقاذه من غرقه وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سوريا، وتصرّف بدوغمائيته المعهودة، وأطاح بكل الفرص التي تم منحه إياها، وألقى بنفسه في مزابل التاريخ…
كانت أيّ محاولة للحسم العسكري للصراع السوري تنذر بمخاطر كبرى وأنهار من الدماء وعذابات أخرى تضاف إلى ما ألمّ بالسوريين بسبب إجرام نظام الأسد.
استسلم نظام الأسد لانتصاره الكاذب وللحماية الإسرائيلية، لأنّ بديله – في نظره – سيكون إسلامياً مدعوماً من تركيا. فأهمل الجيش والميليشيا الداعمة له، وحوّلهم إلى لصوص و”عفّيشة” وقطاع طرق، وأباح لهم ارتكاب ما يرونه مناسباً لارتزاقهم، وبذلك ساهم في هدم القوات الداعمة له من الداخل. وأمعن في تجويع الشعب إلى أن جاع السوريون في مناطقهم بما تحمله الكلمة من معنى، لا مجازاً…
انطلقت عملية ردع العدوان في 27/11/2024، وأُعلنت نهاية النظام في 8/12/2024. وفي تلك الأيام المعدودات، سقط النظام بكل رموزه وأركانه، ليس لنقص في عديده وعتاده، بل لعدم امتلاكه إرادة القتال. وكان أشدّ المتفائلين من الذين خططوا للعملية لا يتوقعون هذا النجاح الباهر في بضع أيام. وما أسهم في تخفيض التكاليف البشرية لمعركة التحرير: رفع شعارات مثل “عدالة بلا انتقام” و*”اذهبوا فأنتم الطلقاء”*، وأداء أفراد إدارة العمليات العسكرية المنضبط، إضافةً إلى انهيار الروح المعنوية والإرادة في القتال والرغبة في الاستسلام الكامل، وترك الأسلحة، وخلع البدلات العسكرية، والتواري عن الأنظار…
كان إسقاط نظام الأسد الشرط اللازم لبدء إعادة إحياء سوريا من مواتها، وإخراجها من غرفة العناية المشددة. كان مشهد إسقاط حكم الأسد أسطورياً وخيالياً، وسيطر الفرح والذهول والقلق على المشهد السوري لأسابيع. وخفّف من المخاوف سلوك جيّد لقيادة الثورة بخطاب معلن هادئ ورصين وأفعال على الأرض…
في بدايات التحرير، أعلن الرئيس أنّ الثورة قد انتهت بشكلها التقليدي المعروف، وأنّ عملية بناء الدولة قد بدأت. وليس من المبالغة القول إنّ عملية البناء أصعب بكثير من عملية الهدم.
كانت التركة ثقيلة والأعباء تنوء بحملها الجبال. كانت الأرض السورية مقسّمة، والشعب السوري مقسّماً، ولا يمكن البدء بإعادة إحياء سوريا قبل توحيدها وتفكيك كل الميليشيات وحصر السلاح بيد الدولة، وقيادة مرحلة انتقالية مركزية الطابع، وتوحيد الأطراف وإخضاعها للمركز طوعاً أم كرهاً، سلماً أم حرباً. فلا يمكن السير بخطوات بناء سوريا وهناك مناطق خارجة عن سيطرة الدولة. كما أنّه لا بُدّ من كشف وتعرية الطابور الخامس الذي يعيق عملية البناء والتوحيد تحت دعاوى برّاقة لكنها تخفي خلفها أجندات غير وطنية أو عمالة للخارج، حيث إنّ الخاسرين من سقوط النظام كُثر.
ولأنّ الأجندات الإيرانية والقَسَدية أرادت وضع العصي في دواليب الحكومة السورية، فجّرت أحداث الساحل في السادس من آذار، وأرادت من وراء ذلك إشعال حرب مذهبية تعيق عملية دخول سوريا إلى المجتمع الدولي ورفع العقبات والعقوبات من طريقها. وقد ساءهم، أو عجّل بتفجير الموقف قبل اكتمال الإعداد له، الاندفاعة الصاروخية من سوريا الجديدة إلى العالم، ومن العالم إلى سوريا. وحدث الجرح في الساحل، وانتَصرت سوريا، وخسر الضالون والمضلّلون، وتم تجاوز ذلك الشَرَك.
وفي السويداء، كانت مجموعة الهجري ذات أجندة واضحة في تعطيل مسار التوحيد أو التعافي السوري، فقامت بخطف القرار والمجتمع. وكانت الأجندة الإسرائيلية – التي لم تُخفِ رغبتها في تقسيم سوريا إلى كانتونات مذهبية وإثنية – واضحة في كل ما صدر عنها من تصريحات وأفعال على الأرض. وأسهم ذلك في عرقلة كل الجهود الحكومية وجهود معظم أبناء الطائفة الدرزية للانضواء تحت جناح الدولة السورية. وساهم في تسخين الأجواء والحشد ضد الدولة السورية، إلى أن وصلنا لأحداث الثاني عشر من تموز وما رافقها من محاولة نسف للتعايش السلمي بين السنّة والدروز. وظهر المشهد جلياً في طلب الحماية الإسرائيلية، وشُكر رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي وجيشه على حماية الدروز (كما تدّعي السردية الهجرية)، ووصل الأمر إلى حدّ الخيانة العظمى برفع العلم الإسرائيلي والمطالبة بالالتحاق بذلك الكيان عبر ممر جغرافي يربط السويداء بالجولان المحتل.
يجري العمل على إعادة السويداء إلى كنف الدولة السورية وتخليصها من مختطفيها بعد وساطة أمريكية بين سوريا وإسرائيل، وتجفيف الدعم الإسرائيلي للهجريين، وما هي إلا أسابيع قليلة ويعود الفرع إلى الأصل…
كان لافتاً توقيع الرئيس السوري على اتفاق 10 آذار مع مظلوم عبدي، وكان يقينياً أنّ ميليشيا قسد لن تلتزم به طوعاً وستحاول عرقلته. وكان بديهياً أنّ القيادة السورية تنظر لذلك الاتفاق على أنه ذو أبعاد أمنية – عسكرية وليست سياسية، وأنّ ميليشيا قسد تنظيم متمرد. وأنّ مسار الاتفاق أو جوهره هو تفكيك كل البنية الإدارية والعسكرية لتلك الميليشيا وتذويب الصالح منها في مؤسسات الدولة السورية. وهي تسير في هذا المنحى من ناحية عقد مؤتمر الحوار الوطني، أو الإعلان الدستوري، أو تشكيل الجيش السوري، وإبرام التفاهمات العسكرية مع تركيا لتدريبه وتطويره…
وكشف السيد الرئيس مؤخراً السرّ المعلن، وهو أنّ مآلات الجزيرة السورية مجال للتوافق بين الولايات المتحدة وتركيا وسوريا وميليشيا قسد، وأنّ حلاً ما يتبلور رغماً عن المعرقلين له. وقال إنّ الحل على الأغلب سيكون سياسياً لتجنيب سوريا مزيداً من الدماء. وأتوقع أن يبدأ تنفيذ الحل بعد انقضاء المهل الممنوحة لقسد، والأغلب بعد نهاية اجتماعات الأمم المتحدة في أيلول وتشرين الأول، ويبدأ بعمليات أمنية عسكرية جراحية لاستكمال السيطرة على دير الزور وتحرير الرقة، وإضعاف موقف قسد التفاوضي عند حصرها في الحسكة، والذي لا بد أن تكون خاتمته الاستسلام الكامل طوعاً أو كرهاً.
ما يساعد في إنهاء توحيد سوريا هو الدعم الدولي والإقليمي لسوريا في فرض سيادتها على كل الأراضي السورية. ومؤخراً تم كفّ اليد الإسرائيلية عن العبث بالشأن الداخلي السوري، عبر ما تسرّب عن الوصول إلى اتفاق أمني مع الكيان الأزرق يضمن مصالح الدولة العبرية ويُبدّد مخاوفها الأمنية بشرط عدم التدخل في الشؤون الداخلية السورية، لا في سويداء الهجري ولا في هافالات قنديل شرقي الفرات.