ملكية النساء في سوريا.. معركة العدالة التي لم تنتهِ بسقوط النظام

0 56

لا تنتهي آثار الحروب عندما يصمت السلاح، بل تستمر في البيوت المهدمة، والسجلات العقارية المفقودة، والحقوق التي تبقى معلقة لسنوات. وفي سوريا، تبدو معركة استعادة الملكية إحدى أكثر القضايا تعقيداً في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، لأنها تمس جوهر العلاقة بين المواطن والدولة، وتمثل معياراً حقيقياً لنجاح العدالة الانتقالية.

في هذا السياق، يسلط التقرير الجديد الصادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان بعنوان “انتهاكات الملكية بحق النساء في سوريا منذ عام 2011: أنماط الاستيلاء وأثرها على النساء في سياق النزاع والمرحلة الانتقالية” الضوء على ملف ظل طويلاً في هامش الاهتمام، رغم أنه يمس آلاف النساء السوريات اللواتي فقدن منازلهن وأراضيهن وحقوقهن القانونية خلال سنوات الصراع.

ويستند التقرير إلى عشرات الشهادات الميدانية، بينها خمس وثلاثون شهادة لنساء من محافظات سورية مختلفة، جُمعت بين مطلع عام 2025 وآذار/مارس 2026، ليخلص إلى أن انتهاكات الملكية لم تكن نتيجة جانبية للحرب، بل جاءت – وفق ما وثقه التقرير – ضمن أنماط ممنهجة ارتبطت بالعقاب السياسي، والتهجير القسري، وإعادة تشكيل البنية السكانية في مناطق واسعة من البلاد.

من السلاح إلى السجل العقاري:

ارتبطت الحرب السورية طويلاً بصور الدمار والاعتقال والتهجير، لكن التقرير يكشف وجهاً آخر للصراع؛ إذ امتد النزاع إلى السجلات العقارية والوثائق الرسمية، حيث تحولت الملكية إلى إحدى أدوات السيطرة وإعادة رسم الواقع الاجتماعي.

ويوثق التقرير سلسلة واسعة من الانتهاكات، شملت المصادرة التعسفية، والحجز الاحتياطي والتنفيذي، والاستيلاء على الممتلكات، وفقدان الوثائق القانونية، وتزوير السجلات العقارية، واستخدام تشريعات استثنائية لتنظيم عمليات نزع الملكية، إلى جانب الدمار الواسع الذي طال الأحياء السكنية، وما نتج عنه من صعوبة إثبات الحقوق بعد سنوات من النزوح واللجوء.

غير أن أكثر ما يلفت الانتباه هو أن النساء تحملن العبء الأكبر لهذه الانتهاكات، ليس فقط بسبب ظروف الحرب، وإنما أيضاً نتيجة تراكمات قانونية واجتماعية سبقتها بسنوات.

النساء.. الحلقة الأكثر هشاشة:

يكشف التقرير أن معظم العقارات في سوريا كانت تُسجل قبل النزاع بأسماء الأزواج أو الآباء أو الأقارب الذكور، بينما بقيت نسبة تسجيل النساء مالكات للعقارات محدودة بفعل الأعراف الاجتماعية والتبعية الاقتصادية وضعف الوعي القانوني.

ومع اعتقال آلاف الرجال أو اختفائهم قسراً أو مقتلهم أو تهجيرهم، وجدت كثير من النساء أنفسهن أمام مسؤولية الدفاع عن ممتلكات لا يحملن وثائق ملكيتها رسمياً، الأمر الذي جعل إثبات الحقوق أكثر تعقيداً، وأطال أمد النزاعات العقارية حتى بعد تغير السلطة.

ولا يقتصر الأثر على فقدان منزل أو قطعة أرض، بل يمتد إلى فقدان مصدر الدخل والاستقرار الاجتماعي، ويؤثر مباشرة في قدرة النساء على إعالة أسرهن أو العودة إلى مناطقهن الأصلية.

التشريعات.. حين تتحول القوانين إلى أدوات للمصادرة:

يرصد التقرير استخدام منظومة قانونية وإدارية واسعة لتكريس الاستيلاء على الممتلكات، من خلال محاكم استثنائية وتشريعات مثل قانون مكافحة الإرهاب، والقانون رقم 10 لعام 2018، والمرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012.

ويرى التقرير أن هذه القوانين، بصيغتها وإجراءاتها، فرضت شروطاً معقدة لإثبات الملكية ضمن مدد زمنية قصيرة، وهو ما أدى عملياً إلى فقدان عدد كبير من المهجرين واللاجئين حقوقهم العقارية، خصوصاً في ظل غيابهم القسري عن البلاد.

كما يشير إلى أن بعض النساء اللواتي تمكنّ من استعادة ممتلكاتهن بعد سقوط النظام، وجدنها مدمرة بالكامل أو بحاجة إلى إعادة إعمار تتجاوز قدراتهن المالية، ما يجعل استرداد الملكية القانونية غير كافٍ ما لم يترافق مع برامج تعويض وإعادة تأهيل.

العدالة الانتقالية تبدأ من رد الحقوق:

لا يقدم التقرير قضية الملكية بوصفها نزاعاً مدنياً فحسب، بل يضعها في قلب مشروع العدالة الانتقالية.

فإعادة بناء الدولة لا تتحقق عبر تغيير المؤسسات السياسية وحده، وإنما عبر استعادة ثقة المواطنين بأن القانون قادر على إعادة الحقوق التي انتُهكت خلال سنوات النزاع.

ومن دون معالجة ملف الملكيات، ستظل عودة ملايين اللاجئين والنازحين مرتبطة بأسئلة مفتوحة: أين سيعودون؟ وكيف سيثبتون ملكياتهم؟ ومن سيحسم النزاعات التي تراكمت خلال أكثر من عقد؟

لهذا، تصبح الملكية أكثر من حق فردي؛ إنها ركيزة للاستقرار الاجتماعي، وشرط لإعادة الإعمار، وضمانة لعدم تجدد الصراعات المحلية مستقبلاً.

إطار قانوني يتجاوز الحدود السورية:

ويستند التقرير إلى منظومة واسعة من قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك العهدين الدوليين، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، ومبادئ بينيرو الخاصة برد المساكن والممتلكات للاجئين والنازحين.

كما يشير إلى أن بعض الأنماط الموثقة قد ترقى -عند توافر عناصرها القانونية- إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، مع التأكيد على أن هذا التوصيف يبقى من اختصاص الجهات القضائية المختصة.

من رد الممتلكات إلى بناء الثقة:

ويدعو التقرير إلى إنشاء هيئة وطنية مستقلة لرد الممتلكات وتسوية النزاعات العقارية، تعتمد وسائل إثبات مرنة، وتستفيد من تجارب دول شهدت نزاعات مشابهة، مثل البوسنة والهرسك وكوسوفو والعراق.

كما يوصي بمراجعة التشريعات التي ارتبطت بعمليات نزع الملكية، وتوسيع المساعدة القانونية المجانية، وضمان وصول النساء إلى القضاء دون عوائق مالية أو إجرائية، إضافة إلى ربط جهود إعادة الإعمار بضمانات فعلية لاحترام حقوق الملكية.

اختبار الدولة الجديدة:

تكشف التجارب الدولية أن بناء السلام لا يقاس فقط بوقف إطلاق النار أو تشكيل الحكومات، بل بقدرة الدولة على إعادة الحقوق لأصحابها، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وترميم الثقة بين المجتمع ومؤسساته.

وفي الحالة السورية، يبدو ملف ملكية النساء واحداً من أكثر الاختبارات حساسية للمرحلة الانتقالية. فإذا نجحت الدولة الجديدة في بناء منظومة شفافة وعادلة لاستعادة الممتلكات، فإنها لن تعيد الأراضي والمنازل فحسب، بل ستعيد أيضاً شعوراً افتقده السوريون لسنوات: أن القانون أصبح يحمي الحقوق بدل أن يكون وسيلة لمصادرتها.

وعند هذه النقطة تحديداً، تتحول قضية الملكية من ملف عقاري إلى قضية سيادة وعدالة ومواطنة. فاستعادة منزل قد تعني لامرأة سورية استعادة حياتها، لكن استعادة الحق في الملكية تعني لسوريا كلها استعادة أحد أهم أسس الدولة التي تسعى إلى النهوض بعد سنوات من الحرب.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني