
ما لا يُشبِعُ الجائعْ
في البدءِ كانتِ الرائحةْ
قبلَ النار، وقبلَ أنْ تتعمَّدَ السنابلُ بالترابْ، كانتِ الرائحةُ وحدَها تفيضُ من شقوقِ الكونِ كسرٍّ لا يُقالْ. ليستْ أثراً عابراً في الهواء، بل الذاكرةُ الأقدمُ للجوعِ البشريِّ، والصلاةُ الأزليّةُ التي رفعَها الفقراءُ قبلَ أنْ تُعرَفَ الصلواتْ.
أيُّها العالقونَ بينَ الفجرِ وبابِ المخبزِ المُوارَبْ، يا مَنْ تركتُمْ على عتباتِ الطحينِ أحلامَكم، ومضيتُمْ تنسجونَ من خيطِ الدخانِ معاطفَ للشتاءِ القادمْ… هذا بيانُكُمُ الأخيرُ ضدَّ النسيانْ.
للخبزِ لاهوتُهُ الخاصّ. طقوسٌ لا يعرفُ قداستَها إلّا مَنْ وقفَ في طابورِ الانتظارِ يرتجفُ برداً ورجاءً. أمٌّ تفتُّ رائحةَ القمحِ في فمِ طفلِها قبلَ النوم، فيشبعُ من حلمِ الغد. وأبٌ يضحكُ ملءَ فمِهِ الفارغ، فيسقطُ من ضحكتِهِ فتاتُ وجعٍ لا يراهُ أحدْ.
تأمَّلوا وجوهَ الواقفينَ قربَ الأفران. إنّهم لا ينتظرونَ الخبزَ وحده، بل ينتظرونَ ذلكَ الوعدَ الغامضَ الكامنَ في الرائحة. ينتظرونَ البرهانَ على أنَّ للكونِ قلباً لا يزالُ ينبضُ بالدفء. ألفُ أمٍّ تفتحُ شبّاكَ المطبخِ عمداً، لا لتُخرِجَ دخانَ الطبخ، بل لتُدخِلَ الرائحةَ إلى جارِها الذي لم يطبخْ منذ أيام، فينامَ الجميعُ شبعى… بالهواء. فالخبزُ ليسَ طعاماً… الخبزُ أمٌّ تمشطُ شعرَ الحزينِ بأصابعَ من بخار، الخبزُ وطنٌ من عجينٍ في جيبِ عاملٍ منهك، الخبزُ قصيدةٌ يكتبُها الجياعُ بالصبر.
غيرَ أنَّ السؤالَ يظلُّ شوكةً في حلقِ القصيدة: ماذا نقولُ للذينَ لا يصِلُهُم حتّى البخار؟ لأولئكَ الذينَ يسرعونَ الخطى قربَ المخابز، كي لا يسمعوا صوتَ قلوبِهم وهي تتكسَّرُ على قشرةِ الرغيفِ الذهبيّة؟ ماذا نقولُ للأمّهاتِ اللَّواتي يُضرِمنَ النارَ في مواقدِ الطينِ الفارغة، انتظاراً لمعجزةٍ لا تجيء؟ وللأطفالِ الذينَ خطُّوا على الجدرانِ أرغفةً بالطبشور، ثمَّ ناموا تحتَ رسومِهِمْ جائعين، كأبطالِ حكايةٍ لم يكتبْها أحد؟
أيُّها الخبز، يا بنَ الطينِ والنار، يا طيفَ الحياة، ويا دمعَ السنابلِ حينَ تحصدُها المنجلُ عنوةً… كُنْ شاهدَنا الوحيد. اشهدْ أنَّ في هذا العالمِ الواسعِ عائلاتٍ لا إرثَ لها منَ الدنيا إلّا الانتظار. إلّا الرائحة. إلّا هذا البيان.
وحينَ تسألُ الأزقّةُ الضيّقةُ عن سكّانِها ذاتَ صباح، سيجيبُها صوتُ الخبزِ وحدَه، خارجاً من بينِ شقوقِ الحجارة: كانوا هنا… كانوا يمرُّونَ كلَّ يوم، يتنفّسونَ الحياةَ مجّاناً من ثقبِ بابِ الفرن، ثمَّ يذهبونَ إلى أيّامِهم بلا خبز… لكنْ بقلبٍ ظلَّ يخفقُ، مثلَ رغيفٍ ساخنٍ في قبضةِ الريح.