السوريون في ألمانيا: من التل إلى الطب.. كرم الحليبي يحوّل التفوق إلى حلم جامعي

0 10

في عام 2015، وصل كرم أيمن الحليبي إلى ألمانيا قادماً من مدينة التل في ريف دمشق. كان في الثامنة من عمره، وفي بداية طريقه الدراسي، بينما كان إخوته الأكبر قد قطعوا مراحل متقدمة من التعليم في سوريا.

بعد أكثر من عشر سنوات، أصبح الطفل الذي بدأ مدرسته الألمانية في الصف الثالث على موعد مع مرحلة جديدة: دراسة الطب في جامعة ريغنسبورغ، بعدما أنهى دراسته الثانوية بالعلامة 1.0 في الأبيتور الألماني و1.0 في البكالوريا الفرنسية ضمن برنامج «أبي باك».

لكن هذه النتيجة ليست قصة كرم وحده، بل حصيلة رحلة عائلة سورية أعادت بناء حياتها التعليمية والمهنية في ألمانيا.

من الأمان إلى المستقبل:

كان والد كرم، الدكتور أيمن الحليبي، طبيباً اختصاصياً في طب الأسرة ومديراً للعيادات الشاملة في عدرا العمالية بريف دمشق، إلى جانب عمله في عيادته الخاصة. أما والدته فكانت قد درست الأشعة وعملت في مركز الطب النووي، قبل أن تتفرغ لرعاية أبنائها الخمسة.

يقول الأب إن الحياة كانت مستقرة نسبياً قبل مغادرة سوريا، وكان الأبناء جميعاً متفوقين دراسياً، ولا سيما الابن الأكبر الذي كان من المتفوقين على مستوى محافظة ريف دمشق في الصف التاسع.

لكن قرار المغادرة عام 2015 ارتبط أولاً بالبحث عن الأمان، ثم بتأمين مستقبل أفضل للأبناء.

اللغة.. الاختبار الأول:

عند وصول الأسرة، كان الابن الأكبر قد أنهى الصف العاشر، والابنة الصف التاسع، والابن الثالث الصف السادس، بينما كان كرم في الصف الثاني، وكان الأصغر في الثالثة من عمره.

واجه الأبناء الأكبر تحدياً كبيراً بسبب اللغة الألمانية، فأعيدوا نحو عامين دراسيين. لم يكن الأمر سهلاً عليهم، وشعروا بأن جزءاً من مسيرتهم الدراسية قد ضاع.

لكن الأسرة حاولت تحويل هذه الفترة إلى فرصة للتعلم والاندماج.

يقول الأب إنه شرح لأبنائه أن العامين يمكن النظر إليهما باعتبارهما ثمناً ضرورياً لتعلم اللغة والتعرف إلى البلد والنظام التعليمي الجديد.

أما كرم، فكان وضعه مختلفاً. انتقل مباشرة إلى الصف الثالث، ودرس مع الطلاب الألمان في الصف النظامي، مع حصة يومية لدعم اللغة الألمانية.

وساعدته معرفته الجيدة باللغة الإنكليزية على التواصل مع المعلمين والإدارة في البداية.

«كيف يعرف كل هذا؟»:

منذ الأشهر الأولى، لاحظ المعلمون أن كرم يمتلك قدرات دراسية مميزة.

وبحسب والده، أعطاه مدير المدرسة بعد نحو شهرين توصية تتيح له متابعة دراسته في مدرسة نظامية إلى جانب الطلاب الألمان.

ورغم انتقال الأسرة خلال سنواتها الأولى بين مناطق ومدارس مختلفة بسبب ظروف السكن، تكرر الأمر نفسه: إعجاب المعلمين بمستوى كرم.

كان بعضهم يتساءل كيف يمكن لطفل لم يدرس الصف الثالث في سوريا أن يمتلك هذا القدر من المعرفة، حتى إنهم كانوا يرون أنه يعرف معظم ما يدرسه زملاؤه.

درس كرم الصفين الثالث والرابع في ألمانيا، وأنهى المرحلة الابتدائية بمعدل 1.6، لينتقل إلى المدرسة الثانوية الأكاديمية «الجمنازيوم».

عشرة من 125:

في المرحلة الثانوية، اختار كرم برنامج «أبي باك»، الذي يجمع بين الأبيتور الألماني والبكالوريا الفرنسية.

وبحسب الأسرة، كان نحو 125 طالباً في دفعته، اختار عشرة فقط هذا المسار.

في البداية، شعر والداه بالقلق من أن تؤثر متطلبات البرنامج الإضافية في مستواه، لكن معلمة اللغة الفرنسية، التي كانت تعرف قدراته ونتائجه، شجعته على خوض التجربة.

جاءت النتيجة في النهاية أعلى مما كانت الأسرة تأمل: 1.0 في الأبيتور الألماني و1.0 في البكالوريا الفرنسية.

كما برز كرم في الرياضيات، وحصل، بحسب والده، على أعلى علامة بين طلاب دفعته، وتلقى تكريماً من الجمعية الألمانية للرياضيات.

وفي التاريخ، قدم المادة باللغة الفرنسية ضمن البرنامج نفسه، وحصل فيها على أعلى علامة ونال تكريماً عن هذا الإنجاز.

أب يعيد بناء مهنته في الحادية والخمسين:

في الوقت الذي كان فيه كرم يبني مساره الدراسي، كان والده يخوض تحدياً مهنياً جديداً.

وصل الدكتور الحليبي إلى ألمانيا في الحادية والخمسين، وواجه اللغة والإجراءات المتعلقة بالاعتراف بمؤهله الطبي.

ومع قِدم شهادته، طُلبت منه وثائق وتفاصيل إضافية عن دراسته. وعندما أصبح استكمال الأوراق أكثر تعقيداً، اختار التقدم لامتحان المعادلة الطبية.

كان عليه أن يتعلم المصطلحات الطبية باللغة الألمانية واللاتينية، وكان يدرس نحو ثماني ساعات يومياً استعداداً للامتحان.

استمر الامتحان من التاسعة صباحاً حتى السادسة مساءً، لكنه نجح فيه، ليعود إلى ممارسة الطب في أحد مستشفيات بافاريا.

ويقول إن العودة إلى المهنة لم تكن سهلة في البداية: لغة جديدة، ونظام جديد، وزملاء جدد. لكنه وجد الدعم من رئيس القسم، واستمر في العمل حتى اليوم

الأم.. الركيزة التي لا تظهر في الشهادة:

عندما يتحدث الأب عن نجاح الأبناء، يضع دور زوجته في قلب القصة.

فالوالدة، التي كانت تعمل في مجال الأشعة قبل الزواج، تفرغت لتربية الأبناء الخمسة ومتابعة تعليمهم، بينما كان عمل زوجها الطبي يتطلب وجوده خارج المنزل لساعات طويلة.

كانت تتابع دروسهم وتساعدهم وتدير تفاصيل حياتهم التعليمية اليومية.

ويقول عنها زوجها: «هي كانت الأساس. لو ما هي، أنا ما بحسن نساوي هذا الشي. هي إلها الفضل بهذا الموضوع».

ويعتبر أن تضحيتها كانت الأكبر؛ إذ تركت مهنتها وكرست وقتها وحياتها للأبناء. وبعد أن كبروا وأصبحوا أكثر اعتماداً على أنفسهم، عادت إلى العمل في ألمانيا، وتعمل حالياً في رعاية أطفال المرحلة الابتدائية بعد انتهاء الدوام المدرسي.

خمسة أبناء.. ومسارات متعددة:

لم يكن كرم الاستثناء الوحيد في الأسرة.

فالابن الأكبر أنهى الهندسة الكهربائية، ثم حصل على الماجستير في الأمن السيبراني ويعمل لدى شركة ألمانية. والابنة درست علم النفس، فيما يواصل الابن الثالث دراسة التصميم الصناعي، وهو في فصله الأخير.

أما الابن الأصغر، الذي وصل إلى ألمانيا في الثالثة، فقد دخل الحضانة وتعلم اللغة منذ طفولته، ثم تابع تعليمه بنجاح، وهو اليوم في الصف التاسع.

وتقول الأسرة إن هذا النجاح لم يكن نتيجة عامل واحد، بل اجتماع دعم الأسرة، واجتهاد الأبناء، ودور المدرسة والمعلمين، وتعلم اللغة.

لكن الطريق كان له ثمن اجتماعي أيضاً؛ فقد بقيت حياة الأسرة الاجتماعية محدودة، لأن وقت الأبناء كان موجهاً إلى الدراسة والنشاطات، وكان مستقبلهم التعليمي أولوية يومية.

«اللغة هي مفتاح النجاح»:

بعد أكثر من عشر سنوات في ألمانيا، يختصر الدكتور الحليبي تجربته بعبارة: «لكل مجتهد نصيب».

ويرى أن الأسرة التي تريد لأبنائها النجاح تحتاج إلى التعليم والعمل والالتزام، وأن اللغة هي المفتاح الأول للدراسة والاندماج والاستقلال.

أما كرم، فقد انتقل من طفل سوري وصل إلى ألمانيا في الثامنة إلى طالب أنهى الأبيتور بالعلامة الكاملة، وحصل على النتيجة نفسها في البكالوريا الفرنسية، ويستعد الآن لدخول كلية الطب.

من التل إلى ريغنسبورغ، لم تكن الرحلة طريقاً مستقيماً؛ كانت فيها لغة جديدة، وإعادة سنوات دراسية، وتغيير مدارس، وأب أعاد بناء مهنته في سن متقدمة، وأم كرست سنوات من حياتها لتعليم أبنائها.

ولهذا، فإن قصة كرم لا تقف عند رقم 1.0، بل تكشف كيف يمكن لأسرة وصلت إلى ألمانيا بحثاً عن الأمان أن تحول التعليم، مع الوقت، إلى وسيلة لبناء مستقبل جديد لأبنائها.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني