
وفاة محمد غميرة بعد احتجازه تضع السلطات السورية أمام اختبار المساءلة
دمشق – تضع وفاة المواطن السوري محمد حسام الدين غميرة، أحد كوادر الدفاع المدني السوري، بعد أيام قليلة من الإفراج عنه من قسم شرطة الحفة في ريف اللاذقية، السلطات السورية أمام اختبار جديد يتعلق بمدى قدرتها على حماية المحتجزين، والتحقيق المستقل في الوفيات التي تقع عقب الاحتجاز، وضمان ألا تتحول مؤسسات الدولة الجديدة إلى مساحة مغلقة يصعب فيها الوصول إلى الحقيقة والمساءلة.
توفي غميرة في 16 آب/أغسطس 2026 داخل مشفى اللاذقية الجامعي، بعد أن أمضى أياماً في العناية المشددة، إثر تدهور صحي أعقب احتجازه ثلاثة أيام في قسم شرطة الحفة التابع لوزارة الداخلية السورية. وكان قد أُوقف في 6 آب/أغسطس على خلفية ادعاء يتعلق بسرقة مبلغ مالي، ثم أُفرج عنه مساء 9 آب/أغسطس، ونُقل مباشرة إلى المشفى قبل أن تتدهور حالته ويُدخل العناية المشددة.
لا تكمن أهمية القضية في تحديد المسؤولية مسبقاً، ولا في تبني رواية طرف دون آخر، وإنما في الفجوة التي ما تزال قائمة بين واقعة الاحتجاز، والتدهور الصحي، والوفاة. وهذه الفجوة لا يمكن أن تُغلق بالبيانات أو الروايات المتداولة، بل بتحقيق مستقل يمتلك القدرة على الوصول إلى سجلات الاحتجاز والملفات الطبية والأدلة المادية والاستماع إلى الشهود.
ثلاثة أيام في الاحتجاز ثم المشفى:
بحسب المعطيات التي وثقتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أُوقف غميرة يوم الخميس 6 آب/أغسطس، واحتُجز في قسم شرطة الحفة لمدة ثلاثة أيام. وخلال تلك الفترة، قالت أسرته إنها لم تتمكن من زيارته أو التواصل معه، بينما كانت تتلقى معلومات تفيد بأنه «قيد التحقيق».
وفي مساء الأحد 9 آب/أغسطس، أُفرج عنه، لكنه لم يعد إلى منزله بحالة صحية طبيعية، بل نُقل مباشرة إلى المشفى الوطني في الحفة، قبل أن تستدعي حالته نقله إلى مشفى اللاذقية الجامعي، حيث أُدخل العناية المشددة وبقي فيها حتى وفاته في 16 آب/أغسطس.
وتقول روايات علنية لأفراد من أسرته إن غميرة كان يعاني من مرض الناعور، وإن حالته كانت مستقرة قبل توقيفه، وإن الأسرة أبلغت عناصر الشرطة بوضعه الصحي الخاص. كما تحدثت الأسرة عن تعرضه لنزيف وتدهور شديد في حالته بعد فترة الاحتجاز.
لكن هذه الروايات، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها لتحديد سبب الوفاة أو المسؤولية عنها. وهنا تحديداً تبدأ مسؤولية الدولة.
من سؤال «ماذا حدث؟» إلى سؤال «من يحقق؟»
في القضايا التي تقع فيها وفاة عقب الاحتجاز، لا يكون التحقيق مجرد إجراء إداري لتسجيل سبب الوفاة، بل يصبح التزاماً قانونياً مستقلاً.
فالسلطة التي تملك السيطرة على مكان الاحتجاز تملك، في الوقت نفسه، إمكانية الوصول إلى جزء أساسي من الأدلة: سجلات الدخول والخروج، كاميرات المراقبة، أسماء عناصر الحراسة والتحقيق، السجلات الطبية، ظروف تقديم العلاج، وأي محاضر أو وثائق مرتبطة بفترة الاحتجاز.
ولهذا فإن التحقيق الجدي لا ينبغي أن يبدأ من فرضية أن الوفاة كانت طبيعية، كما لا ينبغي أن يبدأ من فرضية أنها نتيجة تعذيب أو سوء معاملة. البداية المهنية الوحيدة هي التعامل مع جميع الاحتمالات بوصفها فرضيات تحتاج إلى إثبات أو نفي بالأدلة.
وهذه النقطة بالذات تكتسب أهمية إضافية في سوريا الجديدة؛ إذ إن بناء الثقة بالمؤسسات لا يتوقف على تغيير القوانين أو أسماء المؤسسات، بل على قدرة المواطن على رؤية القانون يعمل عندما يكون المتهم المحتمل مرتبطاً بجهاز من أجهزة الدولة.
غميرة.. رجل الإنقاذ الذي انتهى ضحيةً لواقعة تحتاج إلى تفسير:
كان محمد حسام الدين غميرة يعمل ضمن صفوف الدفاع المدني السوري، وشارك خلال سنوات الثورة في عمليات الإنقاذ، وهو من أبناء الحفة في ريف اللاذقية. وُلد عام 1997 في مدينة دوما بريف دمشق، ونشأ فيها، قبل أن يعود مؤخراً إلى الحفة. وكان متزوجاً وأباً لطفلين.
هذه السيرة تضيف بعداً إنسانياً إلى القضية، لكنها لا تمنح صاحبها حصانة من القانون، كما لا ينبغي أن تجعل عمله السابق في الدفاع المدني سبباً لاستنتاج طبيعة الوفاة.
القضية في جوهرها أبسط وأكثر صعوبة في الوقت نفسه:
ماذا حدث خلال الأيام الثلاثة التي كان فيها غميرة محتجزاً؟
هل تلقى الرعاية الطبية التي كان يحتاج إليها؟
هل أُبلغت الجهات المختصة بمرضه؟
هل ظهرت عليه أعراض تستوجب التدخل الطبي؟
متى بدأ النزيف أو التدهور الصحي؟
من اتخذ قرار نقله إلى المشفى؟
وماذا تقول السجلات الطبية عن حالته عند وصوله؟
وهل توجد كاميرات أو شهود يمكن أن يوضحوا ما جرى؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو الروايات المتداولة، وإنما عبر تحقيق جنائي ومهني قابل للمراجعة.
السجلات التي لا ينبغي أن تختفي:
تقول الشبكة السورية لحقوق الإنسان إنها لم تتمكن، حتى تاريخ نشر بيانها، من الاطلاع على تقرير الطب الشرعي أو سجلات الاحتجاز والرعاية الطبية المتعلقة بالقضية.
وهذه ليست مسألة تقنية هامشية.
ففي أي تحقيق في وفاة شخص بعد احتجازه، تشكل هذه الوثائق العمود الفقري لإعادة بناء الساعات والأيام الأخيرة في حياة الضحية. ويجب أن تشمل عملية التحقيق، من بين أمور أخرى، حفظ السجلات الطبية كاملة، وسجلات الاحتجاز، ومحاضر التحقيق، وأسماء المسؤولين عن الحراسة والاستجواب، وأي تسجيلات كاميرات مراقبة، فضلاً عن فحص الأدلة المادية ذات الصلة.
كما ينبغي أن يكون الفحص الطبي والطب الشرعي مستقلاً عن الجهة التي قامت بالاحتجاز، وأن تُتاح نتائجه للجهات القضائية المختصة ولأسرة المتوفى وفق الأطر القانونية.
القانون لا يتوقف عند باب السجن:
تستند المسؤولية القانونية للدولة في حماية الأشخاص المحرومين من حريتهم إلى مبدأ أساسي: من يفقد حريته لا يفقد حقوقه الإنسانية.
فالمادة 10 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تلزم الدول بمعاملة الأشخاص المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحترم كرامتهم الأصيلة. كما يرتبط الحق في الحياة، وحظر التعذيب وسوء المعاملة، والحق في الانتصاف الفعّال بمجموعة من الالتزامات التي تفرض على الدولة التحقيق في الظروف التي قد تكون قد أدت إلى وفاة غير مشروعة.
وتزداد أهمية ذلك عندما تكون هناك أسباب معقولة للاشتباه بوقوع تعذيب أو سوء معاملة. إذ تفرض اتفاقية مناهضة التعذيب التزاماً بالتحقيق السريع والمحايد في مثل هذه الادعاءات، بينما يوفر بروتوكول مينيسوتا بشأن التحقيق في حالات الوفاة التي يُحتمل أن تكون غير مشروعة إطاراً دولياً مهماً لتحديد معايير التحقيق في هذا النوع من الحالات.
وبالتالي، فإن المطلوب ليس فقط معرفة سبب وفاة غميرة طبياً، وإنما تحديد ما إذا كانت هناك صلة بين فترة احتجازه والتدهور الصحي الذي أعقبها، وما إذا كان قد تلقى الرعاية التي كان يحتاج إليها، وما إذا كان أي موظف أو مسؤول قد ارتكب فعلاً أو امتناعاً يمكن أن تكون له علاقة بالوفاة.
قرينة البراءة لا تعني غياب التحقيق:
ثمة مبدأان يجب ألا يتعارضا في هذه القضية.
الأول هو قرينة البراءة؛ فلا يجوز اتهام عناصر الشرطة أو أي مسؤول بالتعذيب أو التسبب بالوفاة من دون أدلة.
والثاني هو حق الأسرة والمجتمع في معرفة الحقيقة؛ فلا يجوز استخدام غياب الدليل النهائي ذريعة لعدم فتح تحقيق جدي.
التحقيق المستقل لا يعني إدانة أحد، كما أن فتح التحقيق لا يعني افتراض وقوع جريمة. بل يعني ببساطة أن الدولة تأخذ الواقعة على محمل الجد، وتضع الحقيقة فوق حماية المؤسسة أو السمعة.
وهنا تظهر إحدى أهم قواعد بناء المؤسسات في مرحلة الانتقال: الدولة القوية ليست الدولة التي تمنع الأسئلة، بل الدولة التي تستطيع الإجابة عنها بالأدلة.
امتحان حقيقي للمرحلة الانتقالية:
تأتي قضية غميرة في مرحلة شديدة الحساسية بالنسبة لسوريا، حيث تحاول المؤسسات الجديدة إعادة بناء علاقة مختلفة بين المواطن والدولة، بعد عقود ارتبط فيها الاحتجاز والانتهاكات وغياب الشفافية بذاكرة السوريين.
ولهذا فإن التعامل مع هذه القضية سيحمل رسالة تتجاوز اسم الشخص ومكان الحادثة.
إذا فُتح تحقيق مستقل، وحُفظت الأدلة، وفُحصت السجلات، واستُمع إلى الأسرة والشهود، وأُعلن عن النتائج ضمن الحدود التي تسمح بها حماية الخصوصية وسلامة التحقيق، فإن الدولة تكون قد أرسلت إشارة مهمة بأنها تريد بناء مؤسسات تخضع للقانون، لا مؤسسات تحمي نفسها بالقانون.
أما إذا بقيت القضية في مساحة الغموض، من دون سجلات واضحة أو تحقيق مستقل أو تفسير مقنع للتسلسل الذي انتهى بالوفاة، فإن الشك لن يتوقف عند هذه الحادثة، بل قد يتحول إلى أزمة ثقة أوسع.
العدالة تبدأ من التفاصيل:
لا تحتاج العدالة في هذه القضية إلى خطاب سياسي كبير بقدر ما تحتاج إلى خطوات واضحة.
تحتاج إلى تحقيق مستقل ونزيه وفعّال، وإلى تأمين الأدلة، وفحص طبي شرعي مستقل، وحماية الشهود، وتمكين الأسرة من معرفة ما حدث، ومحاسبة أي شخص تثبت مسؤوليته أمام قضاء مستقل يستوفي معايير المحاكمة العادلة.
كما تحتاج إلى مراجعة الإجراءات التي تحكم التعامل مع المحتجزين، ولا سيما في الحالات التي يكون فيها المحتجز مصاباً بأمراض مزمنة أو حالات صحية تتطلب عناية خاصة.
فالاختبار الحقيقي لأي نظام عدالة لا يكون فقط عندما يكون المتهم شخصاً عادياً، وإنما عندما تقود الأدلة، إن وُجدت، إلى موظف في الدولة أو مسؤول في مؤسسة أمنية أو شرطية.
قضية محمد غميرة ليست حكماً.. بل سؤال مفتوح:
دُفن محمد غميرة في مدينة الحفة يوم 17 آب/أغسطس، تاركاً وراءه زوجة وطفلين وأسرة تبحث عن إجابة.
ولا تملك المعطيات المتاحة حتى الآن أن تحسم سبب وفاته أو تحدد المسؤول عنها. لكن التسلسل الزمني – احتجاز لثلاثة أيام، ثم إفراج، ثم نقل مباشر إلى المشفى، ثم تدهور صحي، ثم وفاة – يكفي لكي يصبح التحقيق المستقل ضرورة لا خياراً.
في سوريا التي تحاول الانتقال من إرث طويل من الإفلات من العقاب إلى دولة القانون، لا ينبغي أن تكون حماية المواطن مجرد شعار يقال في لحظة الخطر، بل ممارسة تبدأ من أبسط الحقوق: أن يعرف الإنسان لماذا احتُجز، وأن يتلقى الرعاية التي يحتاجها، وأن تعرف أسرته ماذا حدث له إذا خرج من مكان الاحتجاز إلى المشفى ثم فارق الحياة.
محمد غميرة لم يعد قادراً على رواية ما جرى خلال الأيام الثلاثة التي سبقت الإفراج عنه. ولذلك تقع على عاتق الدولة الآن مسؤولية أن تجعل الأدلة والسجلات والتحقيق المستقل تتحدث نيابةً عنه.
وهنا تحديداً يبدأ امتحان العدالة: ليس بإثبات إدانة أحد، وإنما بإثبات أن الحقيقة في سوريا الجديدة لا تخضع لجهة، وأن حياة الإنسان لا تفقد قيمتها عندما يغلق عليه باب الاحتجاز.