
من التوثيق إلى العدالة: اتفاق بين الشبكة السورية والهيئة الوطنية يختبر مسار المساءلة في سوريا
(تعاون يجمع الخبرة الحقوقية بالمسار المؤسسي، ويطرح أسئلة حول حماية الأدلة واستقلالية العمل وضمان حقوق الضحايا)
وقّعت الشبكة السورية لحقوق الإنسان والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، في دمشق، يوم الأربعاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، اتفاقية تعاون تهدف إلى التنسيق في ملفات العدالة الانتقالية وحقوق الضحايا في سوريا. ويجمع الاتفاق بين خبرة حقوقية تراكمت عبر سنوات من توثيق الانتهاكات والتحقق منها، وهيئة وطنية أُنشئت لقيادة مسار العدالة الانتقالية، في خطوة تفتح المجال أمام توظيف المعلومات والبيانات الحقوقية ضمن مسارات كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر.
غير أن أهمية الاتفاق لا تتوقف عند توقيعه، بل تتصل بما يمكن أن يحققه عملياً: كيف تتحول المعلومات الموثقة إلى معرفة موثوقة تسهم في إنصاف الضحايا؟ وما الضمانات اللازمة لحماية البيانات والأدلة، وصون استقلالية العمل الحقوقي، ومنع اختزال العدالة الانتقالية في تبادل المعلومات أو التنسيق المؤسسي؟[1]
من حفظ الوقائع إلى بناء قاعدة للعدالة:
وقّع الاتفاقية المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، ورئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف. ووفق بيان الشبكة، تشمل مجالات التعاون تنسيق تبادل المعلومات والبيانات ضمن الأطر القانونية وضوابط حماية المعلومات، والتعاون في توثيق الانتهاكات والاستفادة من الخبرات الفنية المتراكمة، وتعزيز التكامل بين أعمال التوثيق ومسارات كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر، بما يسهم في بناء قاعدة معرفية أكثر تكاملاً للعدالة الانتقالية.[1]
وتكمن أهمية هذا التعاون في طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات الحقوقية في المراحل الانتقالية. فالشبكة السورية لحقوق الإنسان، التي تأسست في حزيران/يونيو 2011، راكمت سجلات وبيانات تتعلق بأنماط متعددة من الانتهاكات، بينها القتل خارج نطاق القانون، والاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والتعذيب، والاعتداء على الأعيان المدنية، وفق ما توضحه في بيانها.
ولا تقتصر قيمة هذه البيانات على تسجيل الوقائع؛ إذ يمكن أن تساعد، عند التحقق منها وتقييمها وفق المعايير القانونية، في تحليل أنماط الانتهاكات ونطاقها الزمني والجغرافي، وتحديد الضحايا والمتضررين، وفهم احتياجاتهم، وتوفير معلومات يمكن أن تفيد مسارات كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر.[1]
لكن التوثيق الحقوقي، مهما بلغت دقته، لا يتحول تلقائياً إلى دليل قضائي صالح للاستخدام أمام المحاكم. فذلك يتطلب التحقق من مصادر المعلومات وسلامة الأدلة وسياقها، ومراجعة قانونية وإجرائية، إلى جانب ضمان حماية الشهود والضحايا والبيانات الشخصية. ومن هنا تبرز أهمية الضوابط التي أشار إليها بيان الاتفاق، ولا سيما ما يتعلق بالأطر القانونية وحماية المعلومات.
الهيئة الوطنية: ولاية قانونية ومسارات قيد البناء:
تستند الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية إلى المرسوم الرئاسي رقم 20 لعام 2025، الصادر في 17 أيار/مايو 2025، والذي قضى بتشكيلها. وتتمحور مهمتها حول قيادة مسار العدالة الانتقالية في سوريا، بما يشمل كشف الحقيقة، وتعزيز المساءلة، وجبر الضرر، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، وفق الإطار القانوني المعلن للهيئة.[4][5]
وفي حوار سابق مع «نينار برس»، نُشر في 23 أيار/مايو 2026، أوضح رئيس الهيئة عبد الباسط عبد اللطيف أن عملها يشمل جمع المعلومات والشهادات، ودعم جهود كشف الحقيقة، والتنسيق مع الجهات القضائية المختصة، والعمل على تطوير الأطر القانونية والمؤسسية اللازمة. كما تحدث عن دعم إنشاء محاكم متخصصة بالعدالة الانتقالية، وعن نقاشات ودراسات تتعلق بآليات جبر الضرر، من بينها إمكانية إنشاء صندوق وطني لهذا الغرض.[2]
وفي حوار آخر نشرته الصحيفة في عددها الورقي الثالث، بتاريخ 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، قال عبد اللطيف إن الهيئة تعمل على إعداد قانون خاص بالعدالة الانتقالية بالتعاون مع خبراء وحقوقيين ومؤسسات مدنية، وتحدث عن التوجه نحو إنشاء غرف قضائية متخصصة ضمن القضاء السوري. كما شدد على أن المصالحة لا تعني العفو العام، وأن العدالة الانتقالية لا تقتصر على المحاسبة، بل تشمل كشف الحقيقة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي وضمان عدم التكرار.[6]
وتوضح هذه التصريحات أن عدداً من الآليات التي يجري الحديث عنها ما زال في إطار الإعداد أو الدراسة، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها مؤسسات أو إجراءات مكتملة. كما تشير المعلومات المنشورة على الموقع الرسمي للهيئة إلى وجود مشروع قانون للعدالة الانتقالية أُعدّ، لكنه لا يزال بانتظار استكمال الإجراءات التشريعية.[5]
وبذلك، يأتي الاتفاق مع الشبكة السورية في مرحلة تتطلب بناء الصلة بين العمل الحقوقي والتوثيقي من جهة، والمسارات القانونية والمؤسسية من جهة أخرى، مع ضرورة الحفاظ على اختصاص كل طرف واستقلاليته.
استقلالية العمل الحقوقي وحقوق الضحايا:
تتجاوز أسئلة الاتفاق الجانب الفني لتصل إلى طبيعة العلاقة بين المؤسسات الرسمية ومنظمات حقوق الإنسان. ففي حوار مع «نينار برس» نُشر في 18 حزيران/يونيو 2026، اعتبر فضل عبد الغني أن بناء الثقة لا يتحقق بمجرد النصوص أو الوعود، بل من خلال مؤسسات تستمع إلى المواطنين وتستجيب لمطالبهم، وقضاء مستقل، وآليات فعالة للشكاوى والرقابة والمساءلة.
وشدد عبد الغني في الحوار نفسه على أن كشف الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر وضمان عدم التكرار عناصر مترابطة لتحقيق سلام اجتماعي مستدام، وأن منظمات المجتمع المدني تؤدي دوراً في توثيق الانتهاكات وحفظ الأدلة ومراقبة أداء المؤسسات وتمثيل الفئات المتضررة، من دون أن تكون بديلاً عن مسؤولية الدولة.[3]
وفي حوار سابق نشرته «نينار برس» في عددها الورقي الأول، بتاريخ 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، عرض عبد الغني تقييمه لواقع حقوق الإنسان في سوريا، وتحدث عن أهمية إرساء ثقافة الحقوق والمساءلة، وعن عمل الشبكة من دمشق. وهذه مواقف وتقديرات صادرة عنه في سياق ذلك الحوار، وليست بحد ذاتها تقييماً مستقلاً لمدى تحقق الاستقلالية أو فاعلية الضمانات المؤسسية.[7]
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الاتفاق الجديد؛ فالتعاون بين هيئة وطنية ومنظمة حقوقية يحتاج إلى قواعد واضحة تحدد كيفية استخدام المعلومات، وآليات حماية مصادرها، وضمان عدم تعريض الضحايا أو الشهود للمخاطر، مع صون حق المنظمة في مواصلة الرصد والتوثيق والنشر وفق معاييرها المهنية والحقوقية.
الاتفاقية أمام اختبار التنفيذ:
على الرغم من أهمية المجالات المعلنة للتعاون، فإن بيان توقيع الاتفاقية لم يوضح جدولاً زمنياً للتنفيذ، أو آليات تفصيلية لتبادل المعلومات، أو أولويات العمل المشتركة، أو مؤشرات لقياس النتائج. ولا يعني غياب هذه التفاصيل عن البيان أنها غير واردة في نص الاتفاقية الكامل، لكنه يجعل تقييم نطاق التعاون وآليات تطبيقه متوقفاً على الاطلاع على تلك التفاصيل وما سيصدر لاحقاً من إجراءات معلنة.[1]
ويظل التحدي الأساسي هو الانتقال من التنسيق المؤسسي إلى نتائج ملموسة في حياة الضحايا وعائلاتهم: معلومات موثوقة تساعد على كشف مصير المفقودين، ومسارات مساءلة تستند إلى أدلة سليمة وإجراءات عادلة، وآليات جبر ضرر تستجيب لاحتياجات المتضررين، وإصلاحات مؤسسية تحول دون تكرار الانتهاكات.
فالعدالة الانتقالية لا تُقاس بعدد الاتفاقيات أو قواعد البيانات التي تُنشأ، بل بقدرة المؤسسات على تحويل الحقيقة إلى حقوق مصونة، والمساءلة إلى إجراءات عادلة، وجبر الضرر إلى إنصاف فعلي. فهل يشكل هذا الاتفاق بداية لشراكة مؤسسية تضع الضحايا في مركز مسار العدالة، أم يبقى إطاراً للتنسيق ما لم تتبعه آليات تنفيذ واضحة وضمانات قابلة للمساءلة؟
المصادر والمراجع:
[1] الشبكة السورية لحقوق الإنسان، «الشبكة السورية لحقوق الإنسان توقّع اتفاقية تعاون مع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية»، 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2026.
[2] نينار برس، حوار مع رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف، «رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية: تلتزم هيئتنا بمحاسبة مرتكبي الانتهاكات وجبر ضرر الضحايا وإصلاح المؤسسات»، 23 أيار/مايو 2026.
[3] نينار برس، خالد المحمد، حوار مع المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، «سوريا الجديدة أمام امتحان العدالة… هل تُبنى الثقة قبل أن يكتب الشارع قواعد المرحلة؟»، 18 حزيران/يونيو 2026.
[4] وكالة الأنباء السورية (سانا)، «المرسوم الرئاسي رقم (20) القاضي بتشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية»، 17 أيار/مايو 2025.
https://sana.sy/locals/2219864
[5] الموقع الرسمي للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، أقسام: «نبذة عن الهيئة»، و«الإطار القانوني»، و«إدارات الهيئة»، تاريخ الاطلاع: 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2026.
[6] نينار برس، خالد المحمد، حوار مع رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف، «العدالة بوصلتنا… وسوريا الجديدة غايتنا»، العدد الورقي رقم 03، 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2025.
[7] نينار برس، خالد المحمد، حوار مع المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، «نحن أمام فرصة تاريخية لإرساء ثقافة الحقوق والمساءلة»، العدد الورقي رقم 01، 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2025.