من الاعتراف إلى الحقيقة.. نساء سوريا في قلب معركة البحث عن المفقودين

0 2

قرار أممي يخصص يوماً دولياً للنساء الباحثات عن المفقودين يسلط الضوء على دور ظل لسنوات في مواجهة الغياب؛ لكن الاعتراف الرمزي لن يكون كافياً ما لم يتحول إلى كشف للمصير وحماية للأدلة وإنصاف للأسر ومساءلة عن الجرائم

لسنوات طويلة، كانت أبواب المؤسسات والسجون ومراكز الاحتجاز هي الوجه الآخر لمعاناة آلاف النساء السوريات. أمّ تبحث عن ابنها، وزوجة تنتظر زوجاً لا تعرف إن كان حياً، وأخت تلاحق اسماً في قوائم المعتقلين، وابنة تحاول أن تعرف ما إذا كان والدها سيعود يوماً.

في 31 آب/أغسطس 2026، حصل هذا الدور الذي أدته نساء كثيرات حول العالم على اعتراف دولي، بعدما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، من دون تصويت، قراراً تقدمت به الجمهورية العربية السورية لإعلان 19 كانون الأول/ديسمبر من كل عام يوماً دولياً للاعتراف بالنساء الباحثات عن الأشخاص المفقودين.

وترى الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن القرار يمثل اعترافاً مهماً بالدور الذي اضطلعت به النساء في البحث عن المفقودين والدفاع عن حق الأسر في معرفة الحقيقة. لكنها تحذر في الوقت نفسه من اختزال القرار في مناسبة رمزية؛ فاليوم الدولي لا يكشف وحده مصير مفقود، ولا يحمي مقبرة جماعية، ولا يحفظ أرشيفاً، ولا يحقق مع مسؤول عن جريمة.

المعنى الحقيقي للقرار، وفق هذا المنظور، يبدأ عندما يتحول الاعتراف إلى سياسة وإجراءات ونتائج.

وراء كل مختفٍ عائلة تنتظر:

وفق أحدث بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان الصادرة في 30 آب/أغسطس 2026، لا يزال ما لا يقل عن 177,021 شخصاً في عداد المختفين قسرياً في سوريا منذ آذار/مارس 2011، بينهم 4,536 طفلاً و8,984 سيدة.

كما وثقت الشبكة مقتل ما لا يقل عن 45,365 شخصاً بسبب التعذيب أو ظروف الاحتجاز اللاإنسانية خلال الفترة نفسها، بينهم 45,038 شخصاً قالت إنهم قضوا داخل مراكز احتجاز تابعة لنظام الأسد السابق.

وتشير الشبكة إلى أن استخدام معيار «ما لا يقل عن» يعني أن الحصيلة تمثل الحالات التي تمكنت من توثيقها، بينما قد يكون العدد الفعلي أكبر.

لكن الأرقام، على ضخامتها، لا تختصر القضية.

فالاختفاء لا يسلب شخصاً حريته وحسب، بل يترك أسرته في حالة انتظار مفتوحة. وقد تجد الزوجة نفسها أمام أسئلة تتعلق بالأطفال والميراث والممتلكات والحالة المدنية، من دون أن تملك وثيقة تؤكد حياة الزوج أو وفاته. وقد تبقى الأم سنوات عاجزة عن معرفة ما إذا كان ابنها في سجن أو مقبرة أو مكان مجهول.

وهنا تظهر أهمية الاعتراف بدور النساء الباحثات عن المفقودين.

النساء ضحايا وباحثات في آن واحد:

لا يعني تخصيص يوم دولي للنساء الباحثات أن ملف المفقودين قضية نسائية، ولا أن النساء وحدهن يملكن حق البحث عن الحقيقة.

فالاختفاء القسري طال الرجال والنساء والأطفال، لكن له آثاراً جندرية واضحة. ففي حالات كثيرة، تتولى النساء داخل الأسرة مهمة البحث والمتابعة أمام المؤسسات، إلى جانب إعالة الأسرة وإدارة شؤونها وحماية الممتلكات، بينما يظل مصير قريبهن مجهولاً.

وفي الوقت نفسه، تؤكد الشبكة أن النساء أنفسهن تعرضن للاختفاء القسري، وأن التعامل معهن لا ينبغي أن يختصرهن في دور «الباحثات عن الآخرين». ويشمل ذلك ضرورة التحقيق في ادعاءات العنف الجنسي وغيره من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي المرتبطة بالاحتجاز والاختفاء، مع توفير السرية والحماية والكرامة للضحايا والناجيات.

وهذا التفصيل مهم في بناء عدالة انتقالية لا تنظر إلى المرأة بوصفها مجرد متلقية للمساعدة، بل بوصفها صاحبة حق وشريكة في تحديد ما تحتاج إليه عملية البحث عن الحقيقة.

سوريا أمام فرصة لاختبار الاعتراف:

أحدث سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 تغييراً في الظروف التي تحيط بملف المفقودين، إذ أصبحت إمكانية الوصول إلى أرشيفات ومراكز احتجاز سابقة ومواقع دفن أكبر مما كانت عليه في السابق.

لكن الفرصة تحمل معها خطراً لا يقل أهمية: ضياع الأدلة.

فالسجلات الأمنية والعسكرية والقضائية والمدنية، وأرشيفات مراكز الاحتجاز، ومواقع المقابر الجماعية، يمكن أن تكون ضرورية لمعرفة مصير المختفين، كما يمكن أن تشكل أدلة في التحقيقات الجنائية.

لذلك تدعو الشبكة إلى حماية هذه المواقع والوثائق، وضمان سلسلة حيازة الأدلة، والاستعانة بخبراء الطب الشرعي والأنثروبولوجيا الشرعية وتحليل الحمض النووي.

كما تؤكد ضرورة أن يكون البحث مستقلاً وآمناً ومتمحوراً حول الأسر، وأن تعمل الهيئة الوطنية للمفقودين والمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية والمنظمات السورية والجهات الدولية ومؤسسات الطب الشرعي ضمن تكامل واضح، مع حماية البيانات الحساسة واحترام مبدأ عدم الإضرار.

حق الغياب لا يعني افتراض الوفاة:

إحدى أكثر القضايا إلحاحاً تتعلق بالوضع القانوني للشخص المفقود وأسرته.

فقد تضطر بعض الأسر إلى التعامل مع قريبها وكأنه متوفى من أجل تسوية قضايا الميراث أو الممتلكات أو الحالة المدنية، في وقت لا تملك فيه أي دليل على وفاته.

وتشير الشبكة إلى أهمية إيجاد إطار قانوني يعترف بوضع الشخص المفقود أو الغائب، بما يحافظ على شخصيته القانونية وحقوق أسرته، من دون افتراض وفاته أو وقف البحث عنه.

وهذا يعني أن حماية الأسرة لا ينبغي أن تنتظر معرفة المصير؛ بل يجب أن تكون جزءاً من الاستجابة منذ لحظة تسجيل حالة الفقد.

من الحقيقة إلى المساءلة:

لا تكتمل قضية المفقودين بمجرد العثور على الرفات أو معرفة مكان الاحتجاز.

فإذا كشفت التحقيقات أن شخصاً تعرض للاختفاء القسري أو التعذيب أو القتل، تبرز مسألة المسؤولية: من اعتقله؟ أين احتُجز؟ من أصدر الأمر؟ من أشرف؟ ومن كان يعلم بما يحدث ولم يتخذ التدابير اللازمة لمنعه أو معاقبة المسؤولين عنه؟

ولهذا تربط الشبكة بين البحث عن المفقودين وحماية الأدلة والعدالة والمساءلة، وتدعو إلى فتح تحقيقات مستقلة وشفافة، وتعزيز التعاون مع الآليات الدولية والدول التي تجري تحقيقات ومحاكمات بموجب الولاية القضائية العالمية.

كما تدعو سوريا إلى الانضمام إلى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وتجريم الاختفاء القسري في التشريع الوطني بما يتوافق مع المعايير الدولية.

الاعتراف بداية لا خاتمة

القرار الأممي يمنح النساء الباحثات عن المفقودين مساحة اعتراف طال انتظارها. لكنه يضع في الوقت نفسه المجتمع الدولي والسلطات السورية أمام سؤال أكثر صعوبة من اعتماد يوم دولي.

فالمعيار الحقيقي لنجاح هذا الاعتراف لن يكون عدد البيانات التي تصدر في 19 كانون الأول/ديسمبر، بل عدد الأسر التي حصلت على إجابات، وعدد المفقودين الذين كُشف مصيرهم، والمواقع التي حُميت، والرفات التي جرى تحديد هويتها، والأدلة التي حُفظت، والقضايا التي وصلت إلى القضاء.

وبعد خمسة عشر عاماً من الانتظار، لا تحتاج النساء السوريات الباحثات عن أحبائهن إلى اعتراف رمزي فقط.

إنهن يحتجن إلى أن تتحول عبارة «نريد أن نعرف» إلى حق قابل للتحقق: معرفة المصير، واستعادة الكرامة، والحصول على الإنصاف، ورؤية العدالة تتحول من وعد إلى ممارسة.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني