مجلس الشعب السوري الجديد.. النموذج الإيطالي هو الأقرب؟

0 60

يجب الاعتراف بأن التشكيلة التي أفرزتها انتخابات مجلس الشعب في سورية عبر هيئة انتخابية حملت قدراً كبيراً من شخصيات ديمقراطية، وعبّرت عن اختلاف في الآراء بين الشخصيات المنتخبة، ويمكن القول إن بنية المجلس جاءت تكثيفاً لتمثيل أيديولوجي وطائفي ومناطقي لسوريا، هذه البنية أكثر تفوقاً مما حملته بنى مجلس الشعب أيام نظام الإبادة الأسدي.

هذا التفوق، الجهة التي شكّلت هذا المجلس وسمّت أعضاء الهيئة الناخبة، فوجئت بالأسماء التي خرجت من الهيئة الناخبة، وبطريقة التنظيم، وبكيفية تسلّل أسماء كثيرة لم يكن متوقعاً لها أن تنجح، لذلك سيكون هناك جهد كبير ملقى على عاتق رئيس مجلس النواب لضبط إيقاع الجلسات، وتنظيم المواضيع، وتأجيل الصراعات السياسية، وتقديم الصالح الوطني، والابتعاد عن الاستعراض الإعلامي الذي يلجأ إليه بعض الأعضاء لإرضاء قواعدهم عبر مهاجمة الوزراء أو إطلاق الشعارات.

ويمكن القول إنه مع هذا التنوع الكبير، فإن المهمة صعبة، لكننا نأمل أن نصل إلى نموذج يشبه البرلمان الإيطالي، حيث لا يمكن تمرير أي قانون بسهولة بسبب تشظّي الحياة السياسية.

إن عدم انعقاد الجلسة الأولى لا علاقة له بزيارة الرئيس الفرنسي إلى دمشق، إذ كان يمكن عقدها صباحاً بينما وصل الرئيس الفرنسي عند الساعة الثامنة مساءً، ما ينفي أي رابط بين الأمرين.

كما أن موعد وصوله كان معروفاً قبل ستة أيام من تحديد موعد الجلسة، والجلسة نفسها تحتاج إلى موافقة الرئيس الشرع لأنه سيكون حاضراً فيها، وبالتالي لم تخطئ اللجنة العليا في تحديد الموعد، لأنها لا تستطيع تجاوز رأيه.

وبخصوص رئاسة مجلس الشعب، يبدو أن هناك شبه إجماع على اختيار رئيس مجلس المجلس، وأن ذلك المنصب سيكون من نصيب الدكتور في الحقوق (عبد الحميد عواك)، حيث يحظى عواك بدعم واسع من محافظات الجزيرة “الرقة ودير الزور والحسكة” إضافة إلى رئيس الجمهورية الرئيس أحمد الشرع كان قد كلفه من قبل بقيادة لجنة صياغة الإعلان الدستوري.

إن الدكتور عواك شخصية محترمة وذات كاريزما، عمل في التدريس الجامعي، ويحظى باحترام المسلمين والمسيحيين، وهو قاضٍ قادر على ضبط المجلس، وقد شارك في هيئة الحوار الوطني وترأس لجنة صياغة الإعلان الدستوري، ما يعزز الثقة به.

لكن هناك من ينافسه على المنصب، إذ يواجهه منافس قوي هو (عزام خانجي)، الذي يقول إنه يمثل كتلة حلب المؤلفة من 46 عضواً (20% من المجلس). إلا أن كتلة حلب نفسها انقسمت بين 20 صوتاً لـ (محمد ياسين أبو البراء)، و26 صوتاً لـ (خانجي)، الذي يُحسب على الإخوان المسلمين رغم نفيه ذلك في بيان رسمي.

وقد أثار هذا الأمر قلقاً لدى مطارنة حلب، حيث أن بعض الشخصيات الإسلامية أكدت لهم أنه مقرّب من الإخوان، ما دفع إلى وضع شرط عليه: إذا ترشح لرئاسة المجلس فلن يُسمح له بالترشح لمنصب نائب الرئيس.

أما منصب نائب الرئيس، فكان هناك رغبة بأن تشغله سيدة، ربما كردية، لكن النقاشات داخل الغرفة التي تضم 207 أعضاء لم تُثمر، بسبب البعد الذكوري للمجلس، خصوصاً لدى كثير من الإسلاميين.

الكرسي الثاني لنائب الرئيس منصب استشاري أكثر منه تنفيذي، وقيمته تأتي من شخصية من يشغله. وهناك توقعات بأن يترشح الدكتور (نوار نجمة) في اليوم الأخير، وهو شخصية سياسية وإعلامية معروفة، اكتسب خبرة واسعة، وزار جميع المحافظات بصفته عضواً في اللجنة العليا، ما يمنحه شعبية تتجاوز حدود محافظة واحدة، خلافاً لمرشحين مثل (رنا الجندي) (حمص) و(سميرة وتار) (دمشق)، اللواتي لا يُعرفن خارج محافظاتهن.

إن منصب نائب الرئيس كان تاريخياً يُشغله مسيحيون من حلب، مثل (جورج موصلي)، وكذلك رئيس المجلس السابق (حمودة صباغ). ومن غير المعقول أن يكون للمسيحيين ستة أعضاء فقط (3%) من دون تمثيل في مكاتب المجلس.

إلى جانب ذلك، تتشكل كتلة ثالثة داخل المجلس تضم ليبراليين ومثقفين وذوي خلفيات اشتراكية أو شيوعية أو ديمقراطية أو قومية، وهي كتلة قد تتحول إلى “بيضة القبان”.. فإذا مالت نحو الإخوان سينجح مرشحهم، وإذا مالت نحو الدولة سينجح مرشح الدولة، كما هو حال جنبلاط في لبنان.

لذلك تجري نقاشات مكثفة داخل المجلس، ومن المتوقع تأجيل الجلسة أسبوعاً، أي بعد عودة الرئيس الشرع من تركيا، وإعطائه عدة أيام لحسم هذه الملفات.

من جهة ثانية هل للتفجيرات علاقة بانعقاد مجلس الشعب الجديد؟

يمكن القول إن التفجيرات التي حدثت في دمشق لا علاقة لها بانعقاد الجلسة الأولى لمجلس الشعب، بل هي حدثت أثناء زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فكانت رسالة سياسية من أطراف لا تتمنى الخير لسوريا، وتهدف إلى إرباك مجتمع رجال الأعمال الفرنسي لمنعهم من الاستثمار في البلاد، والجهات التي تقف خلف ذلك قد تكون جهات تعمل لمصلحة المحتملة إيران، أو حزب الله، وربما تكون من فلول التنظيمات، أو جهة مؤيدة لتنظيم PKK  وهم من “قوات سوريا الديمقراطية ممن لم يوافقوا على الحل السياسي مع العهد الجديد، إذ أنهم  تضرروا من الاندماج مع الدولة السورية.

لكن وباعتبارنا لا نملك حقيقة قاطعة حول من يقف خلف تلك التفجيرات يمكن القول إنه لا ينبغي إغفال وجود أطراف داخلية غير مرتبطة بالخارج، لكنها غير راضية وتشعر بأن الرئيس (الشرع) وإدارته يتخذون خطوات إصلاحية وتطويرية تبتعد عن المبادئ التي ناصروه لأجلها وأقسموا له بالولاء عليها عندما كانوا في إدلب.

هؤلاء يريدون إبطاء عجلة التطور في سوريا ليبقوا نافذين وأصحاب مناصب، وهذا ما يجعل المشهد معقداً.

إن الوضع المعقّد بالنسبة لأعضاء مجلس الشعب الحالي يمكن قراءته بأن غالبية أعضائه يمارسون السياسة للمرة الأولى، وكثير منهم يدخل الانتخابات للمرة الأولى ولا يعرف تعقيداتها وألعابها، باستثناء الإسلاميين والإخوان الذين لديهم خبرة طويلة.

الإخوان عملوا قبل الانتخابات على ترشيح أعضاء ليسوا منهم، لكنهم يدعمونهم ويدفعون بهم للنجاح ليكونوا تابعين لهم، حتى لو لم يكونوا مسلمين.

هناك عدد من الأعضاء غير المسلمين تبنّاهم الإخوان وساعدوهم على النجاح، ما يتيح لهم لاحقاً طلب تصويتهم لصالح مرشح الجماعة.. لذلك فإن ضبط العملية الانتخابية داخل المجلس ليس أمراً سهلاً، ونأمل أن تتطور البلاد ونرتقي بقوانيننا ونعمل على الحفاظ على عهدنا السوري الجديد الذاهب عبر المرحلة الانتقالية نحو دولة مواطنة وحريات.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني