
لماذا خسرت إسرائيل بسقوط نظام الأسد؟
تُعتبر إسرائيل وإيران من أكبر الخاسرين من انتصار الثورة السورية، حيث اختلفتا على كل شيء عدا الإبقاء على نظام الأسد جاثماً على صدور الشعب السوري، فقد كان وجود نظام الأسد يُحقّق الأهداف الإستراتيجية لكلا المشروعين (الإسرائيلي والإيراني) في سوريا والمنطقة.
وقد قبلت دولة الاحتلال ببقاء سوريا في ظل نظام الأسد جزءاً مما يُسمّى (محور المقاومة)، ويُحقّق الربط الجغرافي بين حلقات ذلك المحور، ويمنح إيران فرصة الإطلالة على الضفة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، ويؤمّن خط الإمداد البري لحزب الله في لبنان، كل ذلك مقابل استمرار حماية الحدود الإسرائيلية الشمالية وتأمين الهدوء فيها طيلة العقود الخمسة الماضية.
ويمكننا هنا ذكر أهم خمسة أسباب تراها الدولة العبرية أنها تُشكّل تحدياً حقيقياً لها:
1- من إستراتيجيات الأمن القومي لدولة الاحتلال إضعاف الدول المجاورة لها، وبالتالي تزداد قوة إسرائيل في المنطقة بازدياد ضعف أعدائها، ولذلك يجب أن تكون أنظمة الحكم في الطوق العربي المحيط بها لا تُمثّل إرادة شعوبها، بحيث تنظر تلك الأنظمة إلى الشعوب نفسها كعدو أول ينبغي تسخير كل القوى لمحاربته. ولا مانع عند دولة الاحتلال من المتاجرة بالشعارات من قبل تلك الأنظمة، كشعارات تحرير فلسطين، للحصول على شرعية زائفة تُشرعن وجودها وتُعطّل أي تنمية حقيقية مجتمعية واقتصادية بحجة أن الأولوية الآن للتصدي للمشروع الصهيوني. وقد حقّق نظام الأسد هذا الشرط الإسرائيلي الأساسي، كونه نظاماً أمنياً عسكرياً استبدادياً طائفياً، عدواً لشعبه، وحظي بالحماية الإسرائيلية لعقود.
2- استفادت إسرائيل كثيراً من همجية نظام الأسد في طريقة تعاطيه مع الثورة السورية، حيث كانت سعيدة جداً بتدمير النظام لمقدرات الشعب السوري الاجتماعية والاقتصادية، واعتقدت أن سوريا قد خرجت من مستوى أي تهديد مستقبلي عليها، وبالتالي سيكون المستقبل السوري قاتماً في حال زوال نظام الأسد لأي سبب، حيث كانت كل المؤشرات تؤكد أن سوريا قد تشظّت جغرافياً ومجتمعياً، وأنها لن تكون أكثر من دولة فاشلة بحدودها الدولية الحالية، أو تتحول إلى كانتونات طائفية وإثنية متصارعة.
لكن جرت الرياح بما لا تشتهيه الأشرعة الإسرائيلية، وبرهنت الثورة السورية وجمهورها أنها الرقم الصعب في المعادلة السورية، وصمدت ثم انتصرت بمشروعها الوطني الجامع. وتحت هول الصدمة قام الإسرائيليون سريعاً بالمتوفر لديهم عندما أيقنوا من انتصار الشعب السوري، بتدمير ما تبقى من بنى تحتية عسكرية ممكن أن يستفيد منها الجيش السوري الجديد، والذي صنّفته دولة الاحتلال تهديداً لها قبل ولادته أصلاً.
3- خالفت القيادة السورية الجديدة كل توقعات قيادة الاحتلال، وقدّمت أداءً سياسياً رائعاً على المستوى الداخلي، حيث كان الميراث ثقيلاً، ولم يترك نظام الأسد خلفه أي أرضية يمكن البناء عليها والانطلاق منها، وكانت قوى الأمر الواقع على الأرض قوية ولها خطوط دعم خارجية وإمكانات ذاتية.
أمِل قادة الكيان بألا تتمكّن القيادة الجديدة من قيادة الدفة وتوجيه المركب وفق الاتجاه الصحيح، وتوقّعوا أن تكون قيادة الثورة السورية التي وصلت إلى دمشق إحدى قوى الأمر الواقع (أو أكبرها)، وبالتالي دخول البلاد في حرب أهلية لا تُبقي ولا تذر. لكن قيادة العهد الجديد تمكّنت من تقديم خطاب ورؤية وطنية جامعة، وكانت صلابتها في منع المحاصصات الطائفية والإثنية لا تقبل الجدل، وتمكّنت خلال العام الأول من تحقيق أهم أهداف اليوم التالي لإسقاط الأسد، وهو توحيد البلاد (جغرافياً ومجتمعياً) بالحد الأدنى من الخسائر البشرية، وبالتالي عودة سوريا دولة واحدة موحدة مركزية تسيطر على أصولها السيادية وتُمثّل كل شعبها. وهذا الإنجاز الكبير يُشكّل أهم التحديات لدولة الاحتلال، التي كانت تُمني النفس بعدم رؤية سوريا بالحال التي وصلت إليها وبدء مشوار التعافي.
4- ومما أخاف دولة الاحتلال الأداء السياسي اللافت للقيادة السورية على الصعيد الخارجي، حيث تمكّنت في عامها الأول ليس فقط من نيل الاعتراف والشرعية الخارجية (وهي هامة للدول لأنها تُعزّز الشرعية الداخلية)، بل عادت سوريا دولة طبيعية بعد أن كانت جمهورية الخوف والكبتاغون والإرهاب. وقد تناغمت بسرعة مع الجوار التركي والعربي، وحقّقت اختراقات دولية مهمة على مستوى الاتحاد الأوروبي وروسيا الاتحادية والصين. أما الإنجاز الأهم فهو كسب الإدارة الأمريكية إلى صفّها، بحيث تم رفع كامل العقوبات المفروضة على الدولة والقيادة، والإبقاء عليها على رموز النظام البائد.
وتسعى سوريا لأن تكون نموذجاً دولياً ناجحاً للتعافي من آثار الحرب، وتُقدّم نفسها الآن للعالم كمشروع نموذج للاستقرار والتنمية والازدهار الاقتصادي، بحيث تطمح لأن تكون عقدة مواصلات طرقية ورقمية، وممراً لخطوط الطاقة وسلاسل التوريد بين قارات العالم القديم الثلاث، خاصة بعد الحرب الدائرة حالياً في المنطقة، وكان المشروع الإسرائيلي يطمح إلى أن يلعب هذا الدور.
5- وفق رؤية قيادة دولة الاحتلال، فإن سوريا الآن هي تهديد مؤكّد سيتحول إلى خطر فور امتلاكها الأدوات المناسبة لتحقيق ذلك، وهذا لا يخرج عن فلسفة الكيان في العلاقة بين النية والقدرة، حيث تفترض إسرائيل أن النية لدى شعوب العالمين العربي والإسلامي متوفرة لإيذاء إسرائيل (بما في ذلك الدول التي تقيم علاقات دبلوماسية وتعترف بإسرائيل كتركيا مثلاً)، وإستراتيجية دولة الاحتلال هي منعها من الحصول على القدرة لتنفيذ نياتها.
فشلت حكومة نتنياهو، رغم كل عدوانيتها على سوريا، في تحقيق أي من أهدافها الكبرى، حيث كانت تعتقد أن سوريا المُدمّاة الخارجة من الحرب ستكون فريسة سهلة لفرض الاستسلام عليها. ورغم مضي عدة جولات من المفاوضات مع الحكومة السورية، لم تتمكّن الحكومة الإسرائيلية من تحقيق أي اختراق للثوابت الوطنية السورية، ولا يزال الموقف السوري واضحاً وصارماً، ولا يتنازل عن العودة إلى اتفاقية فك الاشتباك السابقة الموقعة عام 1974.
وبالنتائج المتوفرة حتى الآن من حروب إسرائيل غير الناجحة الأخيرة، وضعف موقفها التفاوضي مع سوريا، وكرسالة من الرئيس السوري مؤخراً، أكّد في مراسيم صادرة عنه التشديد على مقاطعة البضائع الإسرائيلية ومنع دخول الإسرائيليين إلى سوريا، إضافة إلى قرارات سابقة بعدم السماح لحامل جواز السفر السوري بالسفر إلى إسرائيل وإيران. كل ذلك يُعزّز اعتقاد الحكومة الإسرائيلية أن انتصار الثورة السورية كان كارثة جيوسياسية حلّت عليها.