لا وطنية حقيقية دون دولة المواطنة والحريات

0 70

عندما يتعرض وطن ما لانهيار شامل، فإنّ الدمار لا يقتصر على المباني والطرقات والخدمات الأساسية فقط، لكنه ينفذ إلى أعمق نقاط النفس البشرية، متسبباً تشويه الوعي الجمعي والروابط الإنسانية التي كانت تجمع الناس تحت مظلة واحدة.

حاولت في كتابي “هندسة بناء الدولة بعد الانهيار” تقديم إجابة فلسفية وعملية في آنٍ معاً عن سؤال: “كيف نعيد بناء الإنسان؟، فالملاحظ في مجتمعات الأزمات أن الوطنية كثيراً ما تفرّغ من مضمونها، لتتحول إما إلى شعارات حماسية ترددها أجهزة الإعلام، وإما إلى استدعاء عاطفي لأمجاد ماضٍ غابر ما عاد يسمن أو يغني من جوع.  فالوطنية الحقيقية، ليست إحساساً مجرداً، هي تعاقد حيّ وعلاقة ثقة متبادلة بين المواطن ومؤسساته. وهذه العلاقة لا يمكن أن تقوم أو تستمر إلا على ركيزتين لا تنفصلان: دولة المواطنة، وكفالة الحريات.

في لحظات الانهيار الأولى، يشعر الإنسان بالخوف الشديد وفقدان الأمان، وتلقائياً، يلجأ الفرد إلى ملاذه الأولي، فيحتمي بقبيلته، أو طائفته. هذا الانكماش الفئوي ـوإن كان مبرراً كآلية دفاعية مؤقتة للنجاة، يمثّل أكبر تهديد لمستقبل الدولة.

إنّ العصبية الضيقة التي أسميها في كتابي “القبيلة الدفاعية” ليست حلاً، بل هي امتداد للأسباب العميقة التي أدت إلى سقوط الدولة في المقام الأول.

فالنهوض الحقيقي يستوجب إيجاد عقد اجتماعي عادل، يضمن لكل فرد حقه وكرامته دون النظر إلى خلفيته أو انتمائه.

فالمؤسسات العامة تكتسب شرعيتها وقوتها من قدرتها على تحقيق العدل بين الناس، وتوفير بيئة حرة وآمنة تسمح لكل مواطن بأن يرى نفسه شريكاً حقيقياً في هذا الوطن، لا بمجرد امتلاكه أدوات السلطة والضغط.

وهنا تبرز الحريات كشرط أساسي وجوهري لمرونة الدولة:

إن الحرية هي القوة التي تحول الفرد من مستهلك سلبي إلى صانع أمل وشريك فاعل في اتخاذ القرار. وتتوزع حول ثلاثة محاور أساسية:

1- كسر حاجز الخوف: الدولة التي تخشى حرية أبنائها وتصادر آراءهم هي دولة هشة، تضع نفسها في مواجهة مجتمعها بدلاً من أن تستند إليه.

2- الشفافية العلاجية: الكشف الصريح عن أسباب الخلل والفساد ليس وسيلة للإدانة والتشهير، بل هو فعل شفاء جماعي يزيل الاحتقان ويبني الجسور بين الشعب والسلطة.

3- المشاركة الفاعلة: الحرية ليست ترفاً فكرياً أو منحاً تؤجل إلى ما بعد تحقيق الاستقرار والنمو، لكنها أداة البناء ذاتها. فكيف يرجى من مواطن يساق قسراً أو يكمم فمه أن ينهض باقتصاد وطنه أو يدافع عن مؤسساته؟

فبناء الدولة لا يتوقف عند صياغة الدستور والقوانين، هو يمتد ليشمل الإدارة اليومية للخدمات والقطاعات العامة. ولكي نصل إلى دولة المواطنة، نحتاج إلى تحول جذري في ثقافة المؤسسات العامة:

– تحويل الخدمة العامة من بيروقراطية صماء إلى ممارسة إنسانية.

– تحول بين الخيبة والرجاء، يجب على القيادة السياسية والتنفيذية أن تخاطب الشعب بشفافية عالية حول الإمكانات المتاحة والتحديات القائمة.

– الاعتماد على الكفاءة والتضامن الاجتماعي وتشجيع المبادرات المحلية والمؤسسات الأهلية.

إن المواطنة الحقيقية لا تقتصر على بطاقة هوية نحملها في جيوبنا، أو وثيقة قانونية تثبت مكان ولادتنا، غير أنها حالة شعورية ووجودية عميقة تجعلك تشعر بأنك تصنع جزءاً من مصير هذه الأرض.

ولقد اعتادت المجتمعات المنهارة أن تبني أدبياتها الوطنية على “سردية الضحية”، أي بالتركيز المستمر على مظلوميات الماضي وآلامه. وعلى الرغم من أهمية الاعتراف بالوجع وإنصاف الضحايا عبر مسارات العدالة الانتقالية، إلا أن التوقف عند حدود مظلومية الماضي يستنزف طاقة المجتمع.

إن ما نحتاجه اليوم هو الانتقال الشجاع نحو “سردية الباني”، نريد تحويل ذاكرة الأزمة من جرح مفتوح إلى حكمة ملهمة تمكننا من الاستباق وتمنع تكرار المأساة. وهنا نصل إلى جوهر الفكرة:

– لا مواطنة دون حريات: لأن المواطنة تتطلب اختياراً واكتساباً إرادياً، والإرادة لا توجد في مناخ القمع والاستبداد.

– لا وطنية دون ثقة: والثقة لا تنمو إلا في بيئة تتميز بالشفافية والمساءلة وحرية التعبير والمشاركة السياسية والمجتمعية الحرة.

إن دولة المواطنة والحريات ليست مجرد أمنية جميلة يخطها الكاتب في كتابه، هي خيار عملي وواقعي وحيد أمام أي مجتمع يرغب جاداً في النهوض من وسط الأنقاض والاستمرار في عالم يموج بالتغيرات والاضطرابات. وإن بناء الأوطان لا يبدأ برصف الخرسانة وتشييد الأبراج، لكنه يبدأ ببعث الروح في الإنسان، روح حرة، ومواطن يشعر بأنه شريك أصيل في الملكية العامة، ووطن يبنى كل يوم بإرادة كل فرد، بحرية كل صوت، وبكرامة كل إنسان.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني