
كيف يعاد تشكيل النسيج الاقتصادي لمحافظة القنيطرة؟
لا ينبغي أن ننسى أن قمح القنيطرة كان الأفضل جودة في سورية منذ العصر الروماني، وتشكل الزراعة والثروة الحيوانية شريان الحياة الاقتصادي في القنيطرة
في جنوب غرب سورية، حيث تمتد محافظة القنيطرة، تتجلى إحدى أكثر المفارقات الجيو – اقتصادية تعقيداً في الشرق الأوسط. فهذه المنطقة التي شكلت تاريخياً سلة غذاء واعدة بفضل تربتها البركانية عالية الخصوبة ووفرة مواردها المائية، تحولت إلى نموذج حي لكيفية تحويل التقييد العسكري وقيود إدارة الموارد حالة الوفرة الطبيعية إلى أزمة شح وفقر ممتد.
تستمد محافظة القنيطرة أهميتها التنموية من تضافر ثلاثة عوامل استراتيجية: التربة البركانية، الشبكة المائية المتكاملة، والموقع لحوض نهر الأردن. ويعتمد أكثر من 90% من سكان القنيطرة ودرعا على القطاع الزراعي كمصدر دخل رئيسي، مستغلين الأراضي الخصبة لإنتاج الحبوب العالية الجودة (القمح والشعير) والأشجار المثمرة. ولم تكن هذه المنظومة الاستثمارية لتستمر لولا وجود هيكل مائي متكامل، ويعد سد المنطرة شريانه الحيوي، حيث يعمل السد كخزان رئيسي يغذي ثمانية سدود فرعية في المنطقة الجنوبية، مما وفر بيئة متوازنة لنشاطي الزراعة المروية والبعلية ورخاء الثروة الحيوانية.
بدأ التفكك الهيكلي للبنية الاقتصادية مع تحول إدارة الموارد المائية إلى أداة ضغط ميداني. فمنذ سيطرة القوات الإسرائيلية على سد المنطرة مطلع عام 2025، انخفض مخزونه المائي من (18 مليون متر مكعب) إلى (4 ملايين متر مكعب) بحلول منتصف عام 2026. ولعب الإغلاق الميداني عبر العوائق الترابية والنقاط العسكرية دوراً حاسماً في منع المزارعين من الوصول إلى موارد الري.
هذا التقييد المباشر ألقى بأعباء مالية باهظة على كاهل المزارعين، إذ ارتفعت تكلفة نقل المياه عبر الصهاريج إلى نحو (400,000 ليرة سورية قديمة أسبوعياً)، ما أفقد النشاط الزراعي جدواه الاقتصادي وأدى إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي المحلي.
ولم تتوقف مظاهر التدهور عند تقييد الموارد المائية، بل امتدت لتشمل تدمير الأصول البيئية. فقد أظهر تحليل ثلاثة مؤشرات طيفية مستقلة للغطاء النباتي وهي (NDVI وAVI و(SAVI تراجعاً متزامناً في الغطاء النباتي في منطقة كودنا بريف القنيطرة، خلال الفترة التي أعقبت عمليات الرش التي قام بها الاحتلال الإسرائيلي. حيث رشت الطائرات الإسرائيلية مادة بيضاء لزجة لنحو ست ساعات، وعلى علو منخفض، فوق المنازل والمراعي والأراضي. ولهذا فقد انخفض المؤشر من (0.47) كثافة خضرية سليمة في منتصف كانون الثاني 2026 إلى (0.15) في شباط 2026.
ويرتبط هذا الانحدار الطيفي بعمليات الرش الميداني بالمادة اللزجة، والتي ألحقت أضراراً مباشرة بـ 297 مزارعاً، وتسببت في تلف 937 دونماً من المحاصيل، و2,891 دونماً من المراعي، و855 دونماً من أراضي الفواكه المثمرة، إلى جانب تجريف 50,000 دونم جراء الحفريات والخنادق مثل خط “سوفا 53”. وقد أدى انعدام الغطاء الرعوي إلى تقويض قطاع الثروة الحيوانية، وتجريد المربين من أصولهم الإنتاجية.
الأبعاد الجيو – ديموغرافية والتفكيك التنموي
تظهر هذه التحولات أن الأزمة الراهنة تتجاوز الضرر الزراعي المؤقت، لتشكل استراتيجية طويلة الأمد لإعادة الهندسة الجغرافية والاقتصادية للمنطقة. إن حرمان السكان من الوصول للمياه، وتدمير الغطاء النباتي، وتقطيع أوصال الأراضي الحيوية، يدفع بالمنطقة من حالة الاكتفاء الذاتي والتصدير إلى التهميش الاقتصادي والتبعية. إن استنزاف التربة وتجريف الأشجار المعمرة لا يفقدا المنطقة أصولها الطبيعية فحسب، بل يفرغانها من مقومات بقائها التنموي.
لا ينبغي أن ننسى أن قمح القنيطرة كان الأفضل جودة في سورية منذ العصر الروماني، وتشكل الزراعة والثروة الحيوانية شريان الحياة الاقتصادي في القنيطرة، حيث يعتمد عليها ما بين 70% إلى 90% من الأسر كمصدر رئيسي للدخل. لكن هذا الشريان ينزف بفعل قيود الاحتلال الإسرائيلي المستمرة.
وما يقع داخل القنيطرة اليوم من حرمان للمزارعين من الوصول إلى أراضيهم خلال مواسم الحصاد، مما يهدد بخسارة المحاصيل كالقمح والشعير. واعتقالات وتعسف. وتكاليف باهظة وخدمات منقطعة الأثر الاقتصادي لا يتوقف عند حدود الحقل، بل يمتد ليشمل كل تفاصيل الحياة اليومية، مكبلاً الأسر بأعباء مالية إضافية.
ما يحدث في القنيطرة اليوم هو أكثر من مجرد أزمة إنسانية عابرة، إنه استنزاف منهجي للبنية الاقتصادية والاجتماعية، حيث تستخدم الأدوات الاقتصادية كجزء من صراع سياسي وقانوني أوسع، لتتحول تحت وطأة الاحتلال والسياسات المقيدة، إلى نموذج للاستنزاف المنهجي، حيث يعاد كتابة معادلة التنمية لتصبح الحرمان فيها وسيلة، والفقر أداة، والتبعية غاية.