القنيطرة.. من أرض المعركة إلى واحة اقتصادية

0 3

حين نتحدث عن مستقبل القنيطرة، لا ينبغي أن ننظر إليها فقط بوصفها محافظة صغيرة في الجنوب السوري، ولا أن نبقى أسرى صورتها القديمة باعتبارها أرضاً للحرب والاحتلال وخطوط التماس. القنيطرة تقع في موقع جغرافي شديد الأهمية، عند نقطة تلتقي فيها سوريا بلبنان والأردن والجولان المحتل، وتمتلك طبيعة جبلية وتربة خصبة ومصادر مائية ومناخاً يجعلها من المناطق القادرة على إنتاج تنوع زراعي مهم. ولذلك فإن الاستثمار في زراعتها يمكن أن يكون أحد المداخل الواقعية لتحسين حياة سكانها وإعادة بناء اقتصاد محلي قادر على النمو.

القنيطرة ليست أرضاً فقيرة بالموارد، وإنما أرض لم تحصل على فرصة حقيقية لاستثمار مواردها. فقد عاشت لعقود تحت تأثير الحرب والاحتلال، وتعطلت مساحات زراعية واسعة، وتراجع وصول المزارعين إلى أراضيهم ومراعيهم ومصادر المياه. وفي السنة الأخيرة أدت التوغلات العسكرية الإسرائيلية إلى إلحاق أضرار إضافية بالزراعة، لكن هذه الصورة يمكن أن تتغير.

فالزراعة التي تناسب القنيطرة ليست بالضرورة العودة إلى زراعة الحبوب التقليدية وحدها، بل بناء اقتصاد زراعي متنوع يبدأ من الخضار ذات القيمة العالية، ويمتد إلى الأشجار المثمرة وتربية المواشي، ثم ينتقل إلى التصنيع الغذائي والتخزين والتسويق. ويمكن للبيوت البلاستيكية والزراعة الحديثة والري بالتنقيط أن تضاعف إنتاجية الأرض وتوفر فرص عمل جديدة، وتحوّل الزراعة من نشاط معيشي محدود إلى قطاع اقتصادي متكامل.

وتملك المحافظة فرصة جيدة في الأشجار المثمرة، مثل التفاح والكرز والجوز واللوز والرمان والتين، إلى جانب الخضار الموسمية. كما يمكن تطوير الثروة الحيوانية عبر تحسين السلالات وإنتاج الأعلاف وتصنيع الحليب والألبان والأجبان. وهنا تكمن الفكرة الأهم: ألا يخرج محصول القنيطرة من أرضها إلى الأسواق بوصفه مادة خاماً فقط، بل يبقى جزء أكبر من قيمته داخل المحافظة من خلال معامل صغيرة ومتوسطة للتصنيع والتعبئة والتوضيب.

والمياه هي العنصر الذي يمكن أن يجعل هذا التحول ممكناً. لذلك يجب أن تكون إعادة تأهيل السدود وشبكات الري والآبار، وترشيد استخدام المياه، والخطة الزراعية لعام 2026 نفسها تؤكد ضرورة ربط التوسع الزراعي بالمخزون المائي المتاح، وهو اتجاه صحيح ينبغي تطويره ضمن رؤية اقتصادية طويلة المدى.

لكن هناك بعداً آخر أكثر أهمية، وهو البعد السياسي. فإذا نجحت سوريا وإسرائيل في الوصول إلى اتفاق شامل ومستقر يضمن السيادة السورية ووقف الاعتداءات والتوغلات وعودة الأمن إلى المنطقة، فإن القنيطرة ستكون من أكبر المستفيدين من هذا التحول. فالسلام هنا لا يعني فقط غياب المدافع، وإنما يعني فتح الطريق أمام الاستثمار وعودة السكان واستصلاح الأراضي وتطوير الزراعة والسياحة والخدمات والتجارة.

ويمكن لاتفاق كهذا، إذا ترافق مع ضمانات دولية وترتيبات أمنية واضحة، أن يحول القنيطرة من منطقة تماس إلى منطقة اتصال، ومن هامش اقتصادي إلى بوابة اقتصادية بين سوريا والمنطقة. فالموقع الجغرافي، وقربها من دمشق والجنوب السوري والأردن، وإمكانات الزراعة والسياحة، يمكن أن تجعل منها خلال سنوات منطقة اقتصادية متخصصة في الزراعة الحديثة والصناعات الغذائية والسياحة البيئية والخدمات اللوجستية.

وهنا يصبح السلام فرصة تنموية، لا مجرد تسوية سياسية.

القنيطرة تستطيع أن تكون نموذجاً لسوريا الجديدة، أرضاً يعود إليها أهلها، وحقولاً تستعيد خضرتها، ومزارعاً يجد في أرضه مصدر دخل كريم، ومستثمراً يرى فيها فرصة حقيقية، وشباباً لا يضطرون إلى الهجرة بحثاً عن العمل.

لقد عاشت القنيطرة طويلاً وهي تدفع ثمن الصراع. وربما حان الوقت لكي تبدأ بدفع ثمن السلام من نوع آخر: استثماراً وزراعةً وسياحةً وفرص عمل وحياةً أفضل.

فالقنيطرة التي كانت يوماً عنواناً للحرب، يمكن أن تصبح غداً واحة سلام وازدهار، ومنطقة اقتصادية ذات وزن يتجاوز حدود سوريا إلى مستوى الشرق الأوسط كله.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني