كيف نبني دولةً قويةً بعد الدمار (4-6)

0 12

في هذا الجزء من سلسلتنا نصل إلى واحد من أهم دعائم البناء في الدولة الخارجة من حرب مدمرة على مستوى البشر والحجر ألا وهو:

الاقتصاد:

يُجمع معظم الخبراء على أن الاقتصاد هو العمود الفقري لأي جسم يحاول النهوض بعد دمار هائل في نسيجه وبنيته وتكوينه ولكن كيف يمكن لدولة خارجة من حرب مدمرة على أساس طائفي وسياسي أن تستخدم الاقتصاد كوسيلة للبناء القوي؟

على السلطة الجديدة البدء بتشجيع المشاريع الصغيرة ومحاربة البيروقراطية وجذب الاستثمارات والعمل على حماية العملة.

لكن الأهم من هذا كله تأمين وظائف للناس لمنعهم من التفكير بالعودة للعنف، ودعم فكرة أنهم شركاء في نهضة وطنهم (الذي يفكر بهم ويحاول تأمين مستقبل أولادهم) وتنطلق الخطوة الأولى غالباً من الزراعة والصناعات البسيطة.

مما سبق تتضح الصورة التي نحاول رسمها والتي تقول أن الدولة القوية لا تُبنى بالجيوش والعتاد ولا بالقبضة الأمنية إنما تبنيها الدولة عندما تنجح في زراعة الأفكار الإيجابية التي تُفيد أن مصالح الناس في تلاقيها وليس في خلافها.

برأيي الشخصي فإن الطرق الأفضل لإسهام الاقتصاد في بناء دولة قوية يتقدمها مايلي:

1– استبدال اقتصاد الطوائف باقتصاد المصالح المشتركة:

لأن ترك الأطراف تبني اقتصادها المنفصل عن البقية هو أحد أكبر الأخطاء التي تعزز الشعور بالعزلة والانفصال عن المجتمع وهو ما يُفكك النسيج المجتمعي ويُفسح مجالاً للشائعات والأفكار الهدَّامة في حين أن العمل المشترك يعزز الشعور بالانتماء للوطن ويُسهم في بناء نسيج مجتمعي متين.

فلو نجحت السلطة في جمع أشخاص من عدة أطراف في عمل اقتصادي مشترك (مصنع أو مزرعة أو شركة عقارية) سيشعر الجميع بحاجة كل واحد منهم للآخر وهنا يفهم الجميع أن المصالح المرتبطة ببقية أطراف المجتمع تبني ما ندعوه بالثقة الاقتصادية وهي أهم في هذه المرحلة من الثقة السياسية برأيي.

2– القضاء على البطالة في أسرع وقت ممكن:

بعد خروج أي بلد من حرب على أساس طائفي أو سياسي أو عرقي فإن أخطر ما يهدد تلك البلاد هي الشاب العاطل عن العمل الذي تغذيه دوافع الانتقام وسط السلاح المنفلت، حينها ستولد الكارثة التي يحاول الجميع تفاديها للحفاظ على ما تبقى من الوطن.

والحل الأفضل في مثل هذه الحالات هو إطلاق برنامج (النقد مقابل العمل) حيث تستفيد الدولة من اليد العاملة المحلية في إزالة الأنقاض وإصلاح الشوارع ومد شبكات الماء والكهرباء والهاتف والصرف الصحي وتنجح حينها في إشغال الشباب بما يُفيد الوطن وتُعالج مشكلة البطالة (ولو مؤقتاً) وتزرع فيه فكرة أنه أداة لبناء الوطن وليس أداة لهدمها.

على قاعدة:

أجر يومي بسيط يعطي كرامة للمواطن ويشغل اليد والعقل.

3– عدالة اقتصادية واضحة للجميع:

مقتل الدولة الجديدة يكمن في شعار:

أخذوا كل شيء ولم يتركوا لنا شيئاً

والعلاج بسيط ويكمن في:

– الشفافية:

يتولى الإعلام الحكومي توضيح كل ما يجري من عقود مع الدولة والتركيز على من قام بتنفيذ العقد وكم قيمة العقد ولماذا تم اختياره دون غيره وهذا يتطلب شجاعة كبيرة من المسؤولين وخاصة إن كان مُحاطا بموظفين فاسدين وإعلاميين فاشلين.

– التوزيع العادل:

حيث تقوم السلطة بتوزيع المشاريع الخدمية للمناطق الأكثر تضرراً وليس للمناطق التي يسكنها المسؤول الفلاني أو الطائفة الفلانية أو المجتمع الفلاني.

– ضرائب بسيطة وعادلة:

تبدأ ثقة الناس بالسلطة عندما تجد أن الجميع يدفع الضرائب دون تمييز  

4– التركيز على الاقتصاد الحقيقي وليس فقط الإعمار:

مع نهاية الحرب نرى بعض الدول تُسارع إلى بناء الأبراج والقصور في حين أن الزراعة والصناعة هي التي تبني دولة قوية لأن الشعوب التي تأكل من من أرضها وتلبس من معاملها لا يمكن لأعدائها إذلالها، كما أن القروض الخاصة بالمشاريع الصغيرة والتي يكون تمويلها من البنوك المحلية هي السند الحقيقي للسيدة التي تعمل في مجال الخياطة والشاب الذي يعمل على سيارة نقل عام وفي الحقيقة هم وأمثالهم العمود الحقيقي للدولة القوية، ولو نجحت الدولة في ربط الاقتصاد المحلي مع الاقتصاد العالمي فإن الخلافات الطائفية تصبح خسارة وليس خياراً.

في النهاية، عندما يقول السياسي: «دعونا نبدأ الصلح»، علينا التركيز مع الاقتصادي الذي يقول: «تعالوا نفتتح معملاً لنعمل به معاً».

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني