ضرورة تعميق الاعتدال السياسي في بنية السلطة

0 19

الاعتدال السياسي هو الضمانة الحقيقية لبناء الدولة واستعادة سوريا لمكانتها

ليست السلطة في أي دولة كتلة صلبة متجانسة بل هي فضاء سياسي تتفاعل داخله اتجاهات متعددة تتباين في رؤيتها للحكم وإدارة الدولة وصياغة مستقبلها وفي المراحل الانتقالية تزداد أهمية هذا التباين لأن الاتجاه الذي ينجح في ترسيخ حضوره داخل مؤسسات السلطة هو الذي يرسم ملامح الدولة لسنوات طويلة ومن هنا تبرز أهمية تعميق الاعتدال السياسي داخل بنية السلطة السورية باعتباره خياراً وطنياً يفتح الباب أمام الاستقرار ويعزز فرص الانتقال إلى دولة المؤسسات والمواطنة.

ويرى عدد من المراقبين أن بنية هيئة تحرير الشام ليست بنية أحادية وإنما تضم تيارات مختلفة في رؤيتها السياسية والفكرية فهناك تيار يوصف بأنه أكثر تشدداً ويتمسك برؤية سلفية منغلقة تميل إلى احتكار القرار والنظر إلى السلطة من منظور أيديولوجي في حين يبرز تيار آخر أكثر اعتدالاً وبراغماتية يدرك طبيعة التحولات الإقليمية والدولية ويؤمن بأن إدارة الدولة الحديثة تتطلب الانفتاح والتكيف مع المتغيرات السياسية إلى جانب بناء علاقات مع مختلف القوى الوطنية السورية.

ويكمن التحدي الأساسي في أن أي حضور مؤثر للتيار المتشدد قد ينعكس سلباً على مشروع بناء الدولة فالرؤية المغلقة بطبيعتها لا تفسح المجال أمام الشراكة السياسية وتتعامل مع السلطة باعتبارها حقاً حصرياً الأمر الذي يهدد بإعادة إنتاج الانقسام ويضعف فرص بناء مؤسسات تستند إلى المواطنة وسيادة القانون كما أن الانغلاق السياسي يحد من قدرة الدولة على تطوير علاقاتها الخارجية ويجعلها أقل قدرة على جذب الدعم والاستثمار والانخراط في بيئة إقليمية ودولية تتطلب قدراً كبيراً من الواقعية والمرونة.

وفي المقابل تبدو الحاجة اليوم أكبر من أي وقت مضى إلى ترسيخ حضور التيار المعتدل داخل السلطة ويعد الرئيس أحمد الشرع في نظر مؤيديه الشخصية الأبرز التي تمثل هذا الاتجاه انطلاقاً من تبنيه خطاباً أكثر انفتاحاً على المجتمع الدولي وسعيه إلى بناء تفاهمات مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية السورية وإدراكه أن استقرار الدولة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر الشراكة الوطنية وإشراك السوريين في صياغة مستقبلهم بعيداً عن منطق الإقصاء.

إن نجاح هذا المسار لا يتوقف على إرادة الأفراد وحدهم بل يحتاج إلى تحويل الاعتدال إلى نهج مؤسسي يحكم آليات اتخاذ القرار ويعزز ثقافة الحوار والتوافق داخل مؤسسات الدولة فالدول لا تبنى بالغلبة بل تبنى بالتوافق ولا تستقر بالإقصاء بل بالشراكة ولا تكتسب شرعيتها من القوة وحدها بل من قدرتها على تمثيل جميع مواطنيها وحماية حقوقهم وصيانة وحدتهم الوطنية.

إن سوريا تقف اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة ولن يكون ذلك ممكناً إلا من خلال تغليب الاعتدال السياسي على التشدد والانفتاح على الداخل قبل الخارج وإطلاق مشروع وطني جامع يشارك فيه جميع السوريين فكلما اتسعت مساحة الاعتدال داخل بنية السلطة ازدادت فرص الانتقال إلى دولة مستقرة تحكمها المؤسسات وتقوم على المواطنة وسيادة القانون وتكون قادرة على استعادة مكانتها الطبيعية في محيطها العربي والإقليمي والدولي.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني