شعوب الطوائف

0 17

من نكد الدنيا أن يقود النقاش العام في قضايا الشعب والأمة والدولة أرباعُ المستثقفين، فيحوّلون المصطلحات إلى شعارات خلبية، والمفاهيم إلى فوضى، والجهل إلى رأيٍ يستحق النقاش.

ومن نتائج ذلك أن نسمع اليوم من يتحدث بثقةٍ عن “الشعب السني” أو “الشعب العلوي” أو “الشعب الدرزي”، وكأنه يكشف عن حقيقةٍ غائبة، فيما هو في الواقع يخلط بين مفاهيم أولية كان يفترض بمن يتصدى للشأن العام أن يميز بينها قبل أن يتحدث عنها.

فالجماعات الطائفية أو الدينية أو الإثنية ليست شعوباً بالمعنى السياسي أو القانوني للكلمة. إنها جماعات أهلية أو ثقافية أو اجتماعية داخل الشعب، وليست شعوباً قائمة بذاتها. ولو أخذنا هذا المنطق إلى نهاياته، لأصبح لكل مذهب شعب، ولكل عشيرة شعب، ولكل مدينة شعب، ولتحولت المجتمعات الإنسانية إلى عدد لا نهائي من “الشعوب” المتجاورة والمتنازعة، ولغدا مفهوم الشعب نفسه بلا أي معنى.

في القانون الدستوري الحديث، فالشعب هو الجماعة السياسية الوطنية التي تُنسب إليها السيادة، وتكون مصدر السلطات، وتقوم عليها الدولة. ولذلك تتحدث الدساتير عن “الشعب السوري” أو “الشعب الفرنسي” أو “الشعب المصري”، ولا تتحدث عن شعوب طائفية داخل الدولة الواحدة. وفي الفقه القانوني الدولي أيضاً، لا يُنظر إلى الشعب بوصفه مجرد جماعة دينية أو مذهبية أو إثنية، بل بوصفه ذاتاً سياسية ترتبط بالمصير المشترك وتقوم عليها فكرة تقرير المصير. ولو كانت كل جماعة أهلية أو مذهبية أو إثنية تُعد شعباً قائماً بذاته، لفقد المفهوم معناه القانوني أصلاً، ولغدت الدولة الواحدة تضم عشرات “الشعوب” المتداخلة التي لا يمكن تحديد حقوقها أو التزاماتها أو تمثيلها السياسي على أي نحوٍ منضبط.

وحتى حين نتجاوز القانون إلى علم الاجتماع السياسي، لا نجد ما يسند هذا الاستخدام المرتجل. فالشعب ليس مجرد مجموعة أفراد يتشابهون في العقيدة، أو الأصل، أو اللغة، أو العادة، بل جماعة تتشارك حيزاً سياسياً واحداً وتعيش ضمن أفق تاريخي ومصيري مشترك. أما الطائفة أو الإثنية، فمهما اتسع حجمها، تبقى شكلاً من أشكال الانتماء الجزئي داخل الانتماء العام، لا بديلاً عنه ولا نقيضاً له.

ومن هنا تبدو عبارة “الشعب السني” أو “الشعب العلوي” أو “الشعب الدرزي” أقرب إلى التناقض المفهومي منها إلى الوصف السياسي. فهي لا تشرح الواقع بقدر ما تهدم اللغة التي يمكن بواسطتها فهم الواقع. وما يصدق على الطوائف يصدق على سائر الجماعات الفرعية داخل الدولة. فالإثنية ليست شعباً داخل الشعب، كما أن المدينة ليست شعباً داخل الشعب، والعشيرة ليست شعباً داخل الشعب. وإلا فما الذي يبقى من مفهوم الشعب سوى اسمٍ يُمنح لأي جماعة ترغب في امتلاكه؟

ولعل أخطر ما في هذا الخطاب أنه لا يقتصر على خطأ معرفي ساذج، بل يحمل في داخله مشروعاً سياسياً كاملاً، حتى لو لم يدرك أصحابه ذلك. فحين تتحول الطوائف والإثنيات إلى “شعوب”، يصبح الوطن في خلفية الوعي العام مجرد إطار مؤقت يجمع شعوباً متجاورة لا شعباً واحداً. وحين يصبح لكل جماعة “شعبها” الخاص، فإن السياسة تتحول تلقائياً من إدارة الشأن العام إلى إدارة الصراع بين الجماعات. عندها لا يعود المواطن مواطناً، بل ممثلاً لطائفته أو إثنيته، ولا تعود الدولة دولة مواطنين، بل ساحة توازنات بين هويات متنافسة.

والمشكلة أن كثيراً ممن يروّجون لهذا التصور يظنون أنفسهم واقعيين أو شجعاناً لأنهم “يقولون الحقيقة كما هي”، بينما هم في الواقع يتبنون الرؤية ذاتها التي يدّعون تفسير نتائجها. فالحروب الأهلية لا تبدأ حين يختلف الناس، بل حين يتوقفون عن رؤية أنفسهم شعباً واحداً، ويبدؤون في تخيل أنفسهم شعوباً متقابلة داخل الجغرافيا نفسها.

وهذا ليس أمية سياسية فحسب، بل أمية وطنية.

وهم، فوق ذلك، يخلطون بين وجود الانقسام وبين شرعنته مفهوماً وسياسةً. فوجود طوائف متمايزة أو جماعات متنافسة لا يجعل منها شعوباً مستقلة، تماماً كما أن وجود الصراعات الطبقية لا يحول كل طبقة إلى شعب، ووجود الخلافات المناطقية لا يحول كل مدينة إلى أمة. لكن العجز عن فهم هذا الفرق البسيط يدفع أصحابه إلى تحويل الوقائع الاجتماعية إلى كيانات سياسية متخيلة، ثم التعامل معها كما لو كانت حقائق نهائية لا تقبل النقاش.

وما يُقدَّم هنا على أنه واقعية سياسية ليس سوى الطائفية نفسها بعد إعادة صوغها بلغة أكاديمية. فالمفارقة أن كثيراً من مروجي هذا الخطاب يقدّمون أنفسهم بوصفهم خصوماً للطائفية، بينما ينتهون إلى تبني افتراضها الأكثر جوهرية: أن الإنسان يُعرَّف أولاً وأخيراً من خلال انتمائه الأهلي المغلق.

إن وجود الطوائف والإثنيات حقيقة اجتماعية لا يمكن إنكارها، كما أن لكل جماعة ذاكرتها، ومخاوفها، ومصالحها، وخصوصياتها. لكن الاعتراف بوجود الجماعات شيء، وتحويلها إلى شعوب مستقلة شيء آخر تماماً. الأول محاولة لفهم الواقع كما هو، أما الثاني فهو خطوة أولى نحو تفكيكه.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: كم شعباً يعيش في سورية؟ بل: كيف يمكن للسوريين، على اختلاف طوائفهم وإثنياتهم وانتماءاتهم، أن يستعيدوا معنى كونهم شعباً واحداً؟ لأن البديل عن ذلك ليس التعددية ولا الاعتراف بالاختلاف، بل الانحدار إلى منطق الجماعات المغلقة التي لا ترى في الآخرين شركاء في الوطن، بل شعوباً أجنبية تقيم على الأرض نفسها.

وحين نصل إلى هذه النقطة، لا يعود الحديث عن “الشعب السوري السني” أو “الشعب السوري العلوي” أو “الشعب السوري الدرزي” مجرد خطأ في المصطلحات، بل يصبح، من حيث يدري أصحابه أو لا يدرون، إعلاناً عن نهاية فكرة الشعب السوري نفسها، واستبدالها بخريطة من الجماعات المتجاورة التي لا يجمعها وطن بقدر ما تفصل بينها الهويات.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني