
دير الزور وإعادة رسم الجغرافيا الاقتصادية لسوريا
لم يعد الأمن الغذائي في سوريا قضية زراعية فحسب، بل أصبح ركيزة لإعادة بناء الاقتصاد الوطني وإعادة توجيه أولويات التنمية. وفي هذا السياق، تكتسب زيارة وزير الزراعة السوري في 19 تموز 2026 إلى محطة سعلو البحثية ومركز إكثار النخيل في الجلاء أهمية تتجاوز طابعها الميداني، لأنها تعيد طرح سؤال استراتيجي: إذا كانت سوريا تسعى إلى استعادة أمنها الغذائي، فمن أين ينبغي أن يبدأ هذا المسار؟
الإجابة لا تبدأ من محصول القمح وحده، ولا من مشروع ري أو مركز بحثي، بل من إعادة تعريف وظيفة الشرق السوري في الاقتصاد الوطني. والمقصود بإعادة رسم الجغرافيا الاقتصادية ليس تغيير الحدود الإدارية، بل إعادة توجيه أولويات الاستثمار والإنتاج نحو المناطق الأكثر قدرة على خلق القيمة المضافة وتعزيز الأمن الغذائي. فخلال سنوات الحرب لم تتغير خرائط السيطرة فحسب، بل تراجعت منظومة الإنتاج الزراعي، وتضررت شبكات الري، وتفككت سلاسل الإمداد، وتقلصت قدرة الريف على أداء دوره الاقتصادي. واليوم، لم يعد التعافي الزراعي خياراً تنموياً فحسب، بل ضرورة اقتصادية لتقليل الاعتماد على الاستيراد، وتحسين استقرار الريف، واستعادة أحد أهم محركات الاقتصاد الوطني.
تمثل دير الزور، مع الرقة والحسكة، القلب الزراعي لسوريا. فهي تتشارك حوض الفرات، والأراضي الخصبة، ومشاريع الري، والإنتاج الاستراتيجي للحبوب، والثروة الحيوانية، بما يجعلها إقليماً إنتاجياً مترابطاً أكثر من كونها ثلاث محافظات منفصلة. ولا تكمن أهمية هذا الإقليم في اتساع أراضيه الزراعية فقط، بل في اجتماع عناصر يصعب توافرها في منطقة واحدة: الموارد المائية، والأراضي الخصبة، والموقع الحدودي، وإمكانات الصناعات الغذائية، والكتلة البشرية العاملة في الزراعة. وهذه الميزة المركبة تجعل الاستثمار فيه ذا أثر يتجاوز حدوده الإدارية إلى الاقتصاد السوري بأكمله.
لكن هذا الترابط الطبيعي يقابله اليوم واقع إداري وسياسي مجزأ، إذ تتوزع هذه المناطق بين سلطات مختلفة، الأمر الذي يجعل إدارة الموارد المشتركة أكثر تعقيداً، ويحد من كفاءة التخطيط الزراعي على مستوى الإقليم بأكمله.
وتظهر هذه المفارقة بوضوح في الأرقام. فالمساحة المزروعة بالقمح في دير الزور هذا الموسم بلغت نحو 29,460 هكتاراً، بإنتاج متوقع يتراوح بين 230 و250 ألف طن ورغم التحسن مقارنة ببعض المواسم السابقة، فإن هذه الأرقام ما تزال أقل من الإمكانات الزراعية للمحافظة ودورها التاريخي في منظومة الأمن الغذائي السوري. ولا يرتبط هذا التراجع بعامل واحد، بل هو نتيجة تراكمية لتضرر البنية التحتية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وشح المياه رغم ان الأراضي الزراعية على سرير النهر، وتعقيد الإجراءات الإدارية، وتراجع الاستثمار في القطاع.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة زيارة الوزير باعتبارها مؤشراً إلى توجه لإعادة الاعتبار للمؤسسات الزراعية، والبحث العلمي، والشراكات التقنية، أكثر من كونها مجرد متابعة لموسم زراعي. غير أن نجاح هذا التوجه سيظل مرهوناً بقدرته على معالجة الفجوة بين أولويات التخطيط وأولويات المزارع.
فالمزارع لا يبدأ حساباته من مراكز البحث، بل من كلفة الوقود، وتوافر مياه الري، وسرعة الحصول على مستحقاته، وإمكانية تسويق محصوله. كما أصبح التمويل الزراعي عاملاً حاسماً في استدامة الإنتاج، إذ لم تعد القدرة على الزراعة مرتبطة بتوافر الأرض والمياه وحدهما، بل أيضاً بإمكانية الوصول إلى التمويل والقروض والخدمات التي تمكّن المنتج من تحمل المخاطر والاستمرار في الاستثمار. لذلك، فإن أي سياسة زراعية تركز على تطوير المؤسسات من دون تحسين بيئة الإنتاج ستبقى محدودة الأثر، مهما كانت جودة الخطط المعلنة.
وفي الوقت نفسه، لم تعد الزراعة شأناً إنتاجياً فقط، بل أصبحت جزءاً من منظومة اقتصادية متكاملة. فقيمة القمح لا تتحدد عند الحصاد، وإنما في كفاءة التخزين، والنقل، والتصنيع، والتسويق، وربط المنتج بالأسواق. ولهذا فإن استعادة الإنتاج، رغم أهميتها، لا تكفي ما لم تُستكمل بإعادة بناء سلاسل القيمة الزراعية، وتحويل الشرق السوري إلى مركز للإنتاج والصناعات الغذائية والخدمات اللوجستية.
ويزداد هذا التحدي تعقيداً مع الضغوط البيئية المتصاعدة. فالجفاف، وتراجع منسوب الفرات، وارتفاع درجات الحرارة، وتلوث التربة والمياه في بعض المناطق، لم تعد أحداثاً استثنائية، بل أصبحت عوامل هيكلية تؤثر في القرار الزراعي. وهذا يفرض الانتقال من إدارة موسمية للمحاصيل إلى إدارة استراتيجية للموارد الطبيعية، تتعامل مع المياه والتربة والطاقة بوصفها عناصر مترابطة في معادلة واحدة.
وهنا يبرز السؤال الذي يتجاوز الزيارة نفسها: هل ما زال النموذج الإداري الحالي هو الأكثر ملاءمة لإدارة الإقليم الزراعي الشرقي؟
وتُظهر التجارب المقارنة أن الأقاليم الزراعية الكبرى تحقق كفاءة أعلى عندما تمتلك هياكل تنفيذية قريبة من مواقع الإنتاج وقادرة على الاستجابة السريعة للتحديات المحلية. غير أن هذا الطرح يصطدم في الحالة السورية بواقع الانقسام الإداري والسياسي، ما يجعل الحديث عن مركز إقليمي موحد بصلاحيات تنفيذية واسعة تصوراً مستقبلياً أكثر منه خياراً قابلاً للتطبيق في المرحلة الراهنة.
لكن ذلك لا يعني غياب البدائل. فإقامة آليات تنسيق فنية بين الجهات المعنية بإدارة حوض الفرات، وتبادل البيانات الزراعية والمائية، والتعاون في مواجهة الجفاف والكوارث الزراعية، تمثل خطوات واقعية يمكن أن تسبق أي ترتيبات إدارية أوسع مستقبلاً. فالإدارة الرشيدة للموارد المشتركة لا تبدأ دائماً بتوحيد المؤسسات، بل قد تبدأ بتوحيد المعرفة والبيانات وأدوات الاستجابة.
إن القيمة الحقيقية لزيارة وزير الزراعة لا تكمن في أنها تابعت واقع القطاع، بل في أنها أعادت طرح سؤال أكبر يتعلق بموقع الشرق السوري في الاقتصاد الوطني. فالتحدي لم يعد كيف نزيد إنتاج القمح فحسب، بل كيف نحول منطقة تمتلك معظم مقومات الأمن الغذائي السوري إلى محرك للتنمية الاقتصادية، من دون أن تبقى أسيرة الانقسام الإداري أو ضعف البنية الاقتصادية.
فالشرق السوري ليس مجرد مساحة زراعية تحتاج إلى التعافي، بل فرصة استراتيجية لإعادة بناء الاقتصاد السوري على أسس أكثر إنتاجية واستدامة. فالجغرافيا وحدها لا تصنع التنمية، لكنها تمنح الدول فرصاً قد لا تتكرر. والسؤال الذي يواجه سوريا اليوم ليس ما إذا كان الشرق السوري يمتلك مقومات الأمن الغذائي، بل ما إذا كانت السياسات العامة قادرة على تحويل هذه المقومات إلى مشروع وطني للتنمية يعيد رسم الجغرافيا الاقتصادية للبلاد.