ملاحظات حول آلية توزيع المشاريع والعقود في سوريا

0 90

توجد اليوم مخاوف متزايدة بشأن آلية توزيع المشاريع والعقود والفرص الاقتصادية في سوريا، ولا سيما ما يتعلق بالمشاريع التي تُطرح من قبل الجهات الحكومية أو المؤسسات العامة أو الجهات المرتبطة بها.

وتتمثل المشكلة الأساسية، بحسب ما يتم تداوله وملاحظته في أوساط رجال الأعمال والمقاولين، في أن الحصول على المشاريع لا يبدو قائمًا دائمًا على المنافسة العادلة والشفافية والكفاءة والخبرة، وإنما يُنظر إليه في كثير من الحالات على أنه مرتبط بدرجة القرب من دوائر القرار أو بالعلاقات الشخصية والسياسية، إضافة إلى منح أفضلية لأشخاص أو جهات كان لها دور في المرحلة العسكرية أو السياسية السابقة.

ولا تقتصر هذه المخاوف على المشاريع الكبرى، بل يُقال إنها تمتد إلى مختلف أنواع الأعمال والعقود،

وحتى بعض المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي يمكن أن تشكل مصدر دخل مهمًا للشركات المحلية.

المشكلة لا تتعلق فقط بحجم المشروع

الأمر اللافت هو أن المشكلة، وفقًا لما يتناقله عدد من العاملين في القطاع الخاص، لا تتعلق فقط بالعقود التي تبلغ قيمتها ملايين الدولارات، وإنما تمتد أيضًا إلى مشاريع أصغر بكثير.

فحتى المقاول أو التاجر أو صاحب الشركة الصغيرة الذي يمتلك الخبرة والقدرة على تنفيذ المشروع قد يجد نفسه في وضع غير متكافئ إذا كان الطرف الآخر يتمتع بعلاقات أقوى أو بقرب أكبر من الجهات صاحبة القرار.

وهذا يخلق بيئة اقتصادية يشعر فيها عدد من أصحاب الأعمال بأن العلاقة أصبحت أحيانًا أهم من الكفاءة، والانتماء أو القرب من مراكز النفوذ أهم من القدرة على التنفيذ.

أثر ذلك على الاقتصاد السوري

هذه الآلية، في حال استمرارها، قد تكون لها نتائج خطيرة على الاقتصاد السوري وعلى مرحلة إعادة الإعمار تحديدًا.

فمرحلة إعادة بناء سوريا تحتاج إلى مشاركة أوسع شريحة ممكنة من الشركات ورجال الأعمال والمقاولين والمهندسين والخبراء، سواء كانوا داخل سوريا أو خارجها.

أما إذا تركزت المشاريع في أيدي مجموعة محدودة من الأشخاص والشركات، فإن ذلك قد يؤدي إلى:

1. إضعاف المنافسة في السوق.

2. رفع تكلفة المشاريع بسبب غياب المنافسة الحقيقية.

3. حرمان الشركات الصغيرة والمتوسطة من فرص العمل.

4. خروج أو عزوف أصحاب الخبرات والكفاءات عن الاستثمار.

5. خلق طبقة اقتصادية جديدة مرتبطة بالنفوذ بدلًا من الإنتاج.

6. زيادة الاحتكار في بعض القطاعات.

7. إضعاف ثقة المستثمرين السوريين في الداخل والخارج.

8. صعوبة جذب الشركات الأجنبية التي تبحث عن بيئة استثمارية واضحة وشفافة.

9. احتمال انخفاض جودة التنفيذ عندما لا تكون المنافسة قائمة على الكفاءة والسعر والخبرة.

10. تكريس اقتصاد قائم على العلاقات بدلًا من اقتصاد قائم على المؤسسات والقانون.

السؤال الأهم

إذا كانت سوريا تدخل مرحلة جديدة وتحتاج إلى إعادة بناء مؤسساتها واقتصادها، فالسؤال الذي يجب طرحه ليس فقط: من حصل على المشروع؟ بل: كيف حصل عليه؟

هل كان هناك إعلان واضح؟

هل تمكنت جميع الشركات المؤهلة من التقدم؟

هل كانت هناك مناقصة أو منافسة حقيقية؟

هل تم الإعلان عن معايير الاختيار؟

هل تم اختيار الشركة بناءً على السعر والخبرة والقدرة الفنية والضمانات؟

وهل توجد جهة مستقلة يمكنها مراجعة هذه العقود والتأكد من عدم وجود تضارب مصالح أو محاباة؟

الحاجة إلى نظام واضح وشفاف

إن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تتحول إلى إعادة توزيع للثروة والفرص على أساس الولاء أو القرب من السلطة، أياً كانت الجهة الحاكمة أو المرحلة السياسية.

بل المطلوب هو وضع نظام واضح للمناقصات والعقود الحكومية، يضمن تكافؤ الفرص أمام الشركات السورية، مع نشر المعلومات الأساسية حول المشاريع وقيمتها والجهات المتقدمة والجهة الفائزة وأسباب الاختيار.

كما يجب أن يكون من حق أي شركة تستوفي الشروط أن تدخل المنافسة، بغض النظر عن خلفية أصحابها أو علاقاتهم، وأن يكون معيار النجاح هو الكفاءة والقدرة على التنفيذ والسعر والجودة والالتزام.

رسالة إلى الصحافة والإعلام

المطلوب هنا ليس مهاجمة أشخاص بعينهم، ولا التشكيك في كل مشروع أو عقد يتم منحه.

المطلوب هو فتح ملف عام حول كيفية إدارة المال العام والفرص الاقتصادية في سوريا خلال المرحلة الحالية.

فإذا كانت هناك آليات عادلة وشفافة، فمن المهم أن يتم الإعلان عنها للرأي العام حتى يعرف المواطن والمستثمر أن الفرص متاحة للجميع.

وإذا كانت هناك حالات يتم فيها تفضيل أشخاص أو شركات بسبب العلاقات أو النفوذ، فمن واجب الصحافة طرح الأسئلة والتحقيق في هذه الحالات، لأن القضية لا تتعلق فقط بمصلحة أصحاب الشركات، وإنما بمستقبل الاقتصاد السوري وبالأموال والموارد التي يفترض أن تكون في خدمة المجتمع بأكمله.

إن سوريا الجديدة، إذا كانت تريد بناء اقتصاد قوي ومستقر، تحتاج إلى اقتصاد الفرص المتساوية، وليس اقتصاد العلاقات؛ وإلى مؤسسات تكون فيها القاعدة واضحة:

المشروع لمن يستطيع تنفيذه بأفضل كفاءة وجودة وسعر، وليس لمن هو الأقرب إلى مركز القرار.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني