جائحة الترامبية: هل بدأت الديمقراطية تصحيح أخطائها؟ وهل ستعتذر أمريكا عن هذه الخطيئة؟

0 15

في التاسع من نيسان الماضي، نشرتُ مقال بعنوان “الترامبية وتفكيك النظام الدولي”، تناول الترامبية لا بوصفها ظاهرة عابرة ارتبطت بشخص دونالد ترامب، وإنما باعتبارها تعبيراً عن اختلالات عميقة في النظام السياسي الأمريكي، ولحظة كاشفة عن هشاشة النظام الدولي والعلاقة الملتبسة بين القوة والقانون والشرعية. وانتهى المقال إلى سؤال: هل ستتمكن الولايات المتحدة من تفعيل آلياتها الديمقراطية لتصحيح هذا الخطأ، أم أن الترامبية ستتحول إلى خطيئة بنيوية تعيد تشكيل النظام من الداخل؟

اليوم، وبعد الانتخابات النصفية الأمريكية وما أظهرته من تراجع للجمهوريين، يبدو أن الديمقراطية الأمريكية بدأت تصحيح مسارها. لكن ما يستحق التأمل، قبل الاحتفاء بهذه القدرة، هو كيف استطاعت دولة تمتلك هذا الإرث الهائل من المؤسسات والتقاليد الدستورية والعلمية والحضارية أن تتيح وصول رجل يتعامل مع العالم وكأن إرادته الشخصية تكفي لإعادة تعريف حقائقه وقواعده، ثم تمنحه السلطة مرتين؟

ليس وصف “المهرج” هنا إشارة إلى شخص يثير الضحك، وإنما إلى سلوك سياسي استعراضي يستخف بالحدود الفاصلة بين الرغبة الشخصية والقرار العام. فرئيس الولايات المتحدة يقرر تغيير اسم خليج المكسيك إلى “خليج أمريكا”، وكأن الجغرافيا والتاريخ ينتظران توقيعه لكي يتغيرا. يستطيع فرض هذه التسمية في الاستخدام الرسمي الأمريكي، لكنه لا يستطيع فرضها على العالم. ومع ذلك، فإن ما يبدو تصرفاً عبثياً يكشف عن تصور بالغ الخطورة للسلطة: أن إرادة الحاكم، إذا امتلك القوة الكافية، تستطيع أن تحل محل القواعد التي تنظم العلاقات بين البشر والدول.

غير أن الترامبية ليست مجرد رجل يمكن أن يغادر الحكم فتغادر معه الظاهرة، وإنما تعبير عن تحولات اجتماعية وثقافية وأيديولوجية، وأزمة ثقة بالمؤسسات، واستعداد قطاعات من المجتمع لتقديم الولاء لشخص على الالتزام بالقواعد المشتركة. فترامب، رغم أنه التعبير السياسي الأبرز عن هذه الظاهرة، ليس منشئها الوحيد ولا شرط استمرارها. وإذا كانت الانتخابات قادرة على تقييد سلطته، فإنها لا تستطيع، بمجرد تغيير موازين القوى، تفكيك البيئة الاجتماعية والثقافية التي جعلت الترامبية ممكنة.

وللتاريخ درس لا يجوز نسيانه. لم يصل هتلر إلى الحكم بانقلاب عسكري، وإنما عُيّن مستشاراً لألمانيا عام 1933 وفق الإجراءات الدستورية، بعد صعود انتخابي كبير لحزبه ومناورات سياسية بين النخب المحافظة، ثم استخدم موقعه لتدمير النظام الديمقراطي نفسه. وليست هذه مساواة بين ترامب وهتلر، أو بين الولايات المتحدة وألمانيا النازية، وإنما تذكير بأن الوصول إلى الحكم بوسائل دستورية لا يضمن احترام القواعد الدستورية، وأن الديمقراطية قد تفتح أبوابها لمن يريدون إغلاقها خلفهم.

لا تكمن أهمية الانتخابات الأمريكية الأخيرة في تغيير موازين القوى داخل الكونغرس وحده، وإنما في التحولات التي شهدتها انتخابات حكام الولايات أيضاً. فالولايات المتحدة دولة اتحادية تتوزع فيها السلطات بين المؤسسات الفيدرالية والولايات، ولهذه التحولات أثر في البيئة السياسية والإدارية التي ستجري فيها الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2028، دون أن يعني ذلك امتلاك حكام الولايات سلطة تقرير نتائجها أو اختيار أعضاء المجمع الانتخابي بمعزل عن القوانين والإجراءات المعمول بها.

غير أن ترامب ما زال رئيساً يتمتع بصلاحيات تنفيذية واسعة وحق النقض التشريعي “الفيتو”. ولذلك فإن الانتخابات لم تنه المواجهة، وإنما نقلتها إلى مرحلة جديدة، قد يصبح فيها الصراع بين البيت الأبيض والكونغرس اختباراً لقدرة المؤسسات الأمريكية على ضبط السلطة.

وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات من التصحيح: تصحيح انتخابي عبّر عنه الناخبون في صناديق الاقتراع، وتصحيح مؤسسي لا يزال أمام اختبار العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس، وتصحيح بنيوي للثقافة السياسية والاجتماعية التي أنتجت الترامبية، وهو المسار الأكثر صعوبة والأطول زمناً.

على أن الحديث عن بدء الديمقراطية الأمريكية تصحيح أخطائها لا ينبغي أن يُفهم بوصفه احتفاءً بانتصار الديمقراطيين على الجمهوريين. فالتاريخ الأمريكي الحديث لا يقدم ما يبرر اعتبار أحد الحزبين ضمانة لاحترام سيادة الدول وحقوق الشعوب. لقد تعاقب الحزبان على إدارة السياسة الخارجية الأمريكية، واختلفا في الوسائل والأولويات، لكنهما اشتركا في سياسات ألحقت أضراراً جسيمة بشعوب أخرى، وفي مقدمتها شعوب منطقتنا. وما يجري اليوم هو تصحيح في موازين القوى داخل النظام السياسي الأمريكي، وليس بالضرورة تصحيحاً للسياسات التي تنتهجها الولايات المتحدة خارج حدودها.

فثمة سياسات أمريكية تتجاوز الانقسام الحزبي، إذ إنها لا تصدر عن نزوات ترامب وحدها، وإنما تستند إلى مصالح وتحالفات وتصورات عقائدية راسخة في الحياة السياسية الأمريكية، قد تستمر فاعليتها حتى بعد مغادرته الحكم. ولعل العلاقة مع إسرائيل واحدة من أكثر الأمثلة وضوحاً على ذلك.

لقد رفع ترامب شعار “أمريكا أولاً”، لكن التحالف الذي يسند الترامبية يضم تيارات مؤثرة، ولا سيما الصهيونية المسيحية، التي تمنح إسرائيل موقعاً استثنائياً في تصورها الديني والسياسي لهوية أمريكا ورسالتها في العالم. وبالنسبة إلى هذه التيارات، لا يتناقض الدعم الاستثنائي لإسرائيل مع الشعار، لأن إسرائيل تدخل في تعريف ما تعتبره مصلحة أمريكية عليا.

ولا يعني ذلك أن جميع أنصار ترامب يتبنون هذا التصور، أو أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية تختزل في دوافع عقائدية. فثمة شبكة واسعة من المصالح الاستراتيجية والعسكرية والسياسية تجعل العلاقة بين البلدين أعمق من أي تحالف عقائدي. كما أن الدعم الأمريكي الاستثنائي لإسرائيل لم يبدأ مع ترامب، وإنما يمثل امتداداً لسياسة راسخة في الإدارات المتعاقبة، وإن كانت الترامبية قد دفعت بها إلى مستويات أكثر صراحة وانحيازاً.

وقد كشفت الحرب على إيران عن وجه آخر لهذا التشابك. فالحرب التي خاضتها الولايات المتحدة وإسرائيل معاً ألحقت أضراراً اقتصادية بالولايات المتحدة نفسها، ووضعت شعار “أمريكا أولاً” أمام اختبار عملي ومباشر. فإذا كانت المصالح الأمريكية هي المعيار الأعلى للسياسة، فكيف يمكن تفسير الانخراط في حرب تتداخل فيها الحسابات الاستراتيجية الأمريكية مع المصالح الإسرائيلية، ثم تتحمل الولايات المتحدة جانباً من تكاليفها وتبعاتها؟ لا يكفي القول إن إسرائيل دفعت باتجاه الحرب، لأن قرار المشاركة فيها كان قراراً أمريكياً أيضاً. لكن التجربة تطرح سؤالاً عن طبيعة العلاقة التي تجعل التمييز بين المصلحتين شديد الالتباس، حتى عندما تظهر كلفة هذا الالتباس على الأمريكيين أنفسهم.

ولعل المفارقة الأكثر إثارة للسخرية السياسية أن الحرب التي كان إسقاط النظام الإيراني أحد أهدافها المعلنة، تمنح طهران اليوم فرصة لقلب المشهد رأساً على عقب. فالنظام الذي أُريد إسقاطه ما زال قائماً، بينما يواجه ترامب ونتنياهو تداعيات الحرب على موقعيهما السياسيين. وإذا كان ترامب نفسه يعزو خسارة حزبه الانتخابية إلى تلك الحرب، فإنه يكاد يمنح خصمه الإيراني صك انتصار سياسي، ويضع نفسه ونتنياهو أمام سؤال سيجد النظام الإيراني متعة خاصة في ترديده: لقد حاولتم إسقاط نظامنا وفشلتم، ولكن ماذا حل بموقعيكما السياسيين في بلديكما؟

وفي ضوء هذا التشابك، يكتسب حتى حديث ترامب، مازحاً، عن انتقاله إلى إسرائيل ليصبح رئيساً لحكومتها إذا سئم منه الأمريكيون، دلالة تتجاوز طرافة العبارة؛ إذ يتحدث عن رئاسة حكومة دولة أخرى وكأنه ضامن للوصول إلى هذا المنصب متى أراد. وهي صورة أخرى لطريقته في التعامل مع السلطة، وإن كانت لا تصلح وحدها دليلاً على طبيعة العلاقة بين الدولتين.

لكن أثر الترامبية في منطقتنا لا يقتصر على العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، ولا على القرارات التي يتخذها ترامب استجابةً لحساباته الخاصة. فثمة سياسة أمريكية أوسع تسعى إلى إعادة ترتيب موازين القوى والعلاقات الإقليمية وفق مصالح واشنطن وحلفائها. وفي هذا الإطار تكتسب الحالة السورية أهمية خاصة؛ إذ لا يتعلق الأمر بموقف الولايات المتحدة من السلطة الجديدة في دمشق فحسب، وإنما بطبيعة الدور الذي يُراد لسورية أن تؤديه في المنطقة، وبمدى توافق هذا الدور مع مصالح السوريين وحقهم في بناء دولتهم الوطنية المستقلة.

لم يكن الدور الأمريكي تجاه السلطة القائمة في دمشق مجرد انفتاح لاحق على سلطة نشأت بعد سقوط نظام الأسد. فقد تحدث ترامب عن مسؤولية أمريكية مشتركة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان “منذ البداية” في ما يتعلق بالسلطة الجديدة. ومع أن تصريحه لا يثبت وحده وجود اتفاق مسبق على اختيار أحمد الشرع، فإنه يكشف عن نظرته إلى قيام السلطة وترسيخها بوصفهما جزءاً من ترتيبات إقليمية تشارك واشنطن في صياغتها.

ويبدو أن ترامب راهن على وجود رجل قوي يستطيع ضبط القوى التابعة له وتقديم التزامات مباشرة في الملفات التي تهم الولايات المتحدة، وهي ملفات تتداخل فيها المصالح الأمريكية مع الحسابات الأمنية الإسرائيلية.

وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يكون حاضراً في وعي السوريين: هل يراهن ترامب على نجاح سورية في بناء دولة وطنية مستقلة، أم على نجاح السلطة القائمة في دمشق في أداء الوظيفة الإقليمية التي يريدها منها؟

لكن نتائج الانتخابات الأمريكية تضيف إلى هذا السؤال بعداً جديداً. فالتفاهم مع ترامب لم يعد كافياً، بمفرده، لضمان سهولة التعامل مع واشنطن. حسابات الكونغرس ليست حسابات البيت الأبيض، وقد تجد السلطة السورية نفسها مضطرة إلى بذل جهود سياسية ودبلوماسية كانت تعتقد أن تفاهماتها مع الرئيس ستوفرها عليها.

فالكونغرس، بأدواته التشريعية والرقابية، قد يوسع نطاق المطالب لتشمل الحريات وحقوق الإنسان، وطبيعة المؤسسات السياسية والأمنية، وضمانات تنفيذ الالتزامات، وقد يسعى إلى تحويل التفاهمات الشخصية إلى التزامات مؤسسية قابلة للرقابة والمساءلة. غير أن ذلك يظل احتمالاً سياسياً تحكمه مواقف القوى داخل الكونغرس وحساباتها، وليس نتيجة تلقائية لتغير الأكثرية.

وهذا يضع السلطة السورية أمام اختبار يتصل بطبيعة مشروعها نفسه. فهي تبدو وكأنها تدير بقاءها وفق معادلة تجمع بين الأيديولوجيا الدينية التي تشكل الهيكل العظمي لنواتها الحاكمة ومصدر تماسكها الداخلي، والتوافق الدولي والإقليمي الذي يوفر الاعتراف والدعم، وتسويات داخلية وإقليمية تجنبها أزمات لا تستطيع مواجهتها، ثم ما تحققه هذه الترتيبات من مساعدات اقتصادية ومكاسب سياسية.

تمنح هذه المعادلة السلطة قدرة على التكيف، لكنها لا تضمن استعدادها لتغيير بنيتها. وقد تضطر إلى تعديل خطابها وممارساتها استجابةً لمتطلبات واشنطن الجديدة، دون أن يعني ذلك بالضرورة انتقالها إلى مشروع وطني يقوم على التوافق بين السوريين.

فمأسسة العلاقة الأمريكية مع دمشق لا تعني بالضرورة دعم بناء مؤسسات الدولة السورية؛ إذ قد تسعى واشنطن إلى ضمان تنفيذ الالتزامات التي تخدم مصالحها ومصالح إسرائيل، دون أن تجعل بناء دولة المواطنة أولوية مماثلة.

وهنا يكمن الفارق بين سلطة تتكيف مع شروط الخارج لكي تستمر، وسلطة تعيد النظر في بنيتها استجابةً لحاجات المجتمع الذي تحكمه. فالدولة الوطنية لا تُبنى لكي تكون مفيدة لإسرائيل أو لغيرها، وإنما لكي تكون إطاراً جامعاً لمواطنيها، يحمي سيادتها وينظم اختلافاتهم ويعبر عن إرادتهم المشتركة.

إذا كانت الديمقراطية الأمريكية قد بدأت تصحيح خطئها، فإن ثمة مسؤولية أخلاقية تتجاوز حدود الولايات المتحدة. يستطيع الأمريكيون محاسبة رئيسهم وتقييد سلطاته، لكن ماذا عن الشعوب التي دفعت ثمن سياساته من أمنها واستقرارها وسيادتها، وربما من حياة أبنائها؟ من يمنح هذه الشعوب حق محاسبته، ومن يعوضها عمّا أصابها؟

لقد كشفت الترامبية عن اختلالات في النظام الدولي لم تكن من صنع ترامب وحده، لكنها بلغت معه درجة استثنائية من الوضوح. فقد تصرفت القوة الأمريكية، في حالات كثيرة، كما لو أنها تملك حق تحديد ما هو مشروع وما هو غير مشروع، دون أن تخضع هي نفسها للمعايير التي تطالب الآخرين باحترامها. وهكذا لم تعد المشكلة مجرد انتهاك للقانون الدولي، وإنما في التعامل مع القوة وكأنها المصدر الذي يمنح القانون معناه وحدوده، وتحويل السيادة من حق متساوٍ بين الدول إلى امتياز تحدده موازين القوة.

لقد انتخب الأمريكيون ترامب مرتين، ومنحوه سلطة امتدت آثار قراراتها إلى شعوب لم تشارك في انتخابه، ولا تملك حق محاسبته. وليس في تغيير موازين القوى داخل الكونغرس ما يعفي الولايات المتحدة من مسؤولية تلك القرارات، أو يعفي الإدارات السابقة، جمهورية كانت أم ديمقراطية، من مسؤولية سياساتها.

من هنا يأتي السؤال الذي يحمله عنوان هذا المقال: هل تستطيع المؤسسة التشريعية الأمريكية أن تعترف بمسؤولية بلادها عما ألحقته سياساتها بالشعوب الأخرى، وأن تقدم اعتذاراً يتبعه عمل جاد لمراجعة تلك السياسات وجبر ما يمكن جبره من أضرارها؟ أم أن قدرة الديمقراطية الأمريكية على تصحيح أخطائها ستظل محصورة بما يصيب الأمريكيين، بينما يُترك الآخرون لمواجهة نتائجها وحدهم؟

فالديمقراطية التي تستطيع محاسبة حكامها تمتلك فضيلة عظيمة، لكنها لا تبلغ تمام نضجها ما لم تدرك أن مسؤوليتها عن أفعالهم لا تنتهي عند حدودها الوطنية.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني