ثأر

0 11

“الدكتورة شذا إلى طوارئ الإسعاف..”

تردّد صداه في جميع أقسام المشفى؛ فأسرعت تلبي النداء..، وعلى سرير العمليات رأته جسداً مطروحاً والدم ينزف غزيراً. توقّفت مشدوهة.. جمّدتها المفاجأة، وتسمّرت عيناها فيه. إنّه هو بشحمه ولحمه. اختطفها منظره ممدّداً أمامها لا يعي شيئاً مما يدور حوله.. أعادها عقدين ونيّف من السنوات.. طفلة يتيمة في الصف الرابع الابتدائي وهو في الثاني الثانوي، يتبعها ويتحرش بها وهي ذاهبة إلى المدرسة أو عائدة منها. اشتكته إلى المعلمة التي نصحته بالابتعاد عنها، وهدّدته فلم يرتدع، واستمر في مضايقتها إلى أن سنحت له الفرصة أثناء عودتها وحيدة، حاولت الهرب فأمسك بها.. صرخت.. أطبق بكفه على فمها، وحملها وهي ترفس برجليها إلى بيت خرب قرب الطريق. رماها على الأرض وجثم فوقها كوحش جائع.. اصمتي.. سأقتلك إن علا صوتك. مرعوبة.. استولى الخوف عليها.. شلّ أعضاءها، وأعقل لسانها.. غدت أرنباً مشلولاً في قبضته، رفع ثوبها، بياض ساقيها أسال لعابه واستفزّ الذئب الكامن في أعماقه. افترسها، وبلا رحمة أولغ فيها.. ولمّا قضى وطره تركها مرمية كجيفة انتصر الشقي على ضعفها، ومضى مزهواً ينفش ريشه؛ وقد انطبعت صورته على جدار ذاكرتها.

لم تدرك الزمن الذي مرّ عليها وهي راقدة شبه غائبة عن الدنيا، وعندما بدأت تصحو أخذت تلملم بعضها ومازالت تحسّ بدوار، والرؤية غير واضحة نهضت بصعوبة، نفضت التراب وقطع القش عن ثيابها. حملت محفظة كتبها ومشت تجرجر رجليها والدموع تغطّي وجنتيها. كيف سأخبر أمّي؟ وماذا أقول لها؟ أتصدقني؟..

أمام الدار كانت والدتها ترقب مجيئها متوجّسة، وما إن اقتربت وشاهدت انكسارها ضمّتها.. ما بك يا بنتي؟ ماذا يزعجك؟ وما الذي حدث..؟ مسحت على رأسها ودلفتا معاً إلى الداخل. سقتها ماء، وهدّأت من روعها، وطمأنتها قائلة: نامي الآن يا حبيبتي، لعلك ترتاحين..

تقدّمت منه. لماذا لا أتركه يموت فأثأر منه وأشفي غليلي؟ إنها ساعة ردّ الجميل لهذا المجرم الذي سرق طهارتي أقدس ما أملك. تذكّرت قسمها “أن أراقب الله في مهنتي، وأن أصون حياة الإنسان في أدواره كافة..” جسّت نبضه ضعيفاً، آهٍ.. هذه التي كمّمتني وأخرستني وعرّتني.. هذا التافه أكرهه إلى الأبد.. يستحق أن يلفظ أنفاسه. ارتجفت يدها.. تمتمت “وأن أكون على الدوام من وسائل رحمة الله، باذلاً رعايتي الطبية للقريب والبعيد، للصالح والخاطئ، والصديق والعدو..” نعم لن أخسر إنسانيتي وأحنث بقسمي بسبب هذه القذارة. بلعت ريقها، وتناولت مقصاً وشرعت تقصّ قميصه، وتكشف عن مخرج الطلقة واللحم المتهتك، وراحت تنظّف ما علق به. توجّهت إلى الممرضة: أعطيه دماً وهي تبحث عن الشريان النازف بانفعال ظاهر؛ همست مساعدتها: مابالك؟ أتعرفينه؟ أهو قريبك؟ لم تجب.. صبغت الحمرة خديها، وتابعت عملها. وبعد جهد كبير أوقفت النزف، وضمّدته جيداً. شعرت بأن حملاً ثقيلاً انزاح عن كاهلها. هيّا انقلوه إلى العناية الفائقة.. بينما والداه في الردهة ينتظران جواباً.. قالت وهي تمسح العرق عن جبينها: يا عمّ، فعلنا ما تمليه علينا رسالة الطبّ والضمير، أمّا الشفاء فمن غفور رحيم؛ وفي قرارة نفسها توقن أن ساعاته معدودة إلّا إنْ كان له بقية عمر، واتجهت نحو مكتبها..

جلست على الكرسي. أسندت رأسها إلى المسند وأقفلت جفنيها فعمّ النور المكان واجتاح كيانها. تخيّلت والدتها تحمل لها كأس عصير مثلّجٍ “ليبترد قلبك وتهدأ أعصابك بعد مشقة..” ثمّ ربّتت على كتفها فاستذكرت كلماتها “لن نخبر أحداً، نحن الأضعف يا صغيرتي، سيسخرون منك ويضحكون، سيشوهون سمعتك، وستكونين نجمة تندرهم في جلسات سمرهم إن علموا.. دعي الأمر للربّ ينتقم منه. غداً لا تذهبي..، سأخبرهم أنك متوعكة، وبعدها تستطيعين الدراسة لتحقّقي حلم والدك. رنّت في أذنها كلماته عند بوابة المدرسة “كوني مجدّة، ستصبحين طبيبة تداوين المرضى وتشفينهم..” افترّت شفتاها عن ابتسامة رضا تفصح عمّا يتوارى مستقرّاً في حناياها؛ فخاطبته: لقد حفظت عهدك، وها أنا تخطيت العوائق كلها لتحقيق حلمك، والفضل لمن حملتْ رسالتك، وسهرت الليالي تشاطرني همومي.. تشجعني، وتواسيني، وتخفف عني، فارقد هانئاً..

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني