تفجير جرمانا.. حافلة مدنية تعيد سؤال الأمن إلى واجهة سوريا الجديدة

0 16

في حافلة صغيرة عند مفرق الروضة بمدينة جرمانا، كان مدنيون يمارسون واحدة من أكثر تفاصيل الحياة اليومية بساطة: الانتقال من مكان إلى آخر. لكن عبوة ناسفة داخل وسيلة النقل حوّلت الرحلة مساء 6 آب/أغسطس 2026 إلى مشهد دموي، وأعادت إلى الواجهة واحداً من أصعب أسئلة المرحلة الانتقالية في سوريا: كيف تحمي الدولة المدنيين من عودة العنف إلى الأماكن التي يفترض أن تكون بعيدة عن ساحات الصراع؟

بحسب ما وثقته الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وقع الانفجار داخل ميكروباص لنقل الركاب عند مفرق الروضة في مدينة جرمانا بريف دمشق، وهي منطقة خاضعة لسيطرة الحكومة السورية. وأشارت الحصيلة الرسمية المعلنة وقت إصدار بيان الشبكة إلى إصابة 14 مدنياً، بينهم نساء، من ركاب الحافلة والمارة في محيطها، فيما وصفت ثلاث حالات بأنها بالغة الخطورة، قبل أن تتوفى سيدة متأثرة بجراحها بعد ساعات، وفق الإفادات الأولية.

لكن السؤال الذي لا يزال بلا إجابة حاسمة هو: من يقف وراء التفجير؟

أعلنت مجموعة تطلق على نفسها اسم «منبر أنصار الرسول» تبني الهجوم في بيان متداول عبر الإنترنت، إلا أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان أكدت أنها لم تتحقق من صحة هذا الادعاء. وهذه النقطة ليست تفصيلاً إجرائياً؛ بل هي جوهر أي مقاربة حقوقية وجنائية مسؤولة.

فإعلان التبني لا يساوي دليلاً قضائياً، ولا يمكن أن يحسم وحده هوية المنفذين أو طبيعة الشبكة التي تقف خلف العملية أو دوافعها. وفي بلد عاش سنوات طويلة من الاتهامات المتبادلة والإفلات من العقاب، تصبح الحاجة إلى التحقيق المستقل أكثر أهمية من سرعة إطلاق الأحكام.

الضحية أولاً:

بعيداً عن هوية الفاعل ودوافعه، هناك حقيقة لا تحتاج إلى انتظار التحقيق: التفجير وقع داخل وسيلة نقل مدنية وفي منطقة سكنية مأهولة، وأصاب أشخاصاً لم يكونوا جزءاً من أي مواجهة عسكرية.

وهنا تتجاوز القضية حدود الحادث الأمني لتصبح قضية حقوقية وإنسانية مباشرة. فالحق في الحياة والسلامة الجسدية والأمن الشخصي لا يتجزأ، واستهداف المدنيين أو تعريضهم لخطر جسيم داخل وسائل النقل والأماكن العامة لا يمكن تبريره أياً كانت الجهة التي تقف وراءه أو المبررات التي قد تقدمها لاحقاً.

لكن حماية المدنيين لا تعني فقط إدانة التفجير بعد وقوعه. مسؤولية الدولة تبدأ أيضاً من محاولة فهم كيف وصلت العبوة إلى حافلة عامة في منطقة مأهولة، وما إذا كانت هناك ثغرات أمنية أو مؤسسية ساهمت في وقوع الهجوم.

وهذا تحديداً ما يجعل التحقيق المنتظر اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسات السورية على التعامل مع الجرائم الأمنية بمنطق الدولة والقانون.

التحقيق أهم من الاتهام:

تطالب الشبكة السورية لحقوق الإنسان الحكومة السورية بفتح تحقيق جنائي عاجل ومستقل، وتأمين موقع الانفجار وحفظ الأدلة المادية والرقمية، وإجراء تحليل فني لمخلفات العبوة، والاستماع إلى المصابين والشهود ضمن إجراءات حماية مناسبة، ومراجعة التسجيلات والبيانات الرقمية المتاحة وفق الأطر القانونية.

هذه الإجراءات قد تبدو تقنية، لكنها في الحقيقة تمثل الفارق بين تحقيق يمكن أن يصل إلى الحقيقة، وملف ينتهي إلى رواية رسمية غير قابلة للاختبار.

فالتحقيق الجاد لا ينبغي أن يكتفي بمعرفة من وضع العبوة، وإنما أن يحاول إعادة بناء السلسلة الكاملة للهجوم: من خطط، ومن جهز، ومن نفذ، ومن قدم المساعدة أو المعلومات، وما إذا كان المنفذون جزءاً من تنظيم أوسع، وما الدافع وراء اختيار المكان والزمان ووسيلة النقل المستهدفة.

وإذا أثبتت الأدلة مسؤولية أفراد أو جهات محددة، فإن المسار الطبيعي يجب أن يكون إحالتهم إلى قضاء مستقل يضمن المحاكمة العادلة، لا الانتقام ولا العقاب الجماعي.

الأمن من دون عودة إلى منطق الانتهاك:

هنا تواجه سوريا الجديدة معادلة شديدة الحساسية.

فالهجمات التي تستهدف المدنيين تحتاج إلى استجابة أمنية فعالة، لكن هذه الاستجابة لا ينبغي أن تعيد إنتاج الممارسات التي عانى منها السوريون خلال عقود من القمع والحرب. ولذلك فإن تعزيز الأمن يجب أن يسير بالتوازي مع القانون والرقابة القضائية واحترام الحقوق الأساسية.

وتحذر الشبكة في توصياتها من فرض تدابير جماعية أو تمييزية، وتدعو إلى أن تكون الإجراءات الأمنية متناسبة وضرورية ومشروعة.

وهذا المبدأ مهم بصورة خاصة في مجتمع لا تزال جراحه مفتوحة، حيث يمكن لحادث أمني واحد أن يتحول، إذا أسيء التعامل معه، إلى وقود جديد للاستقطاب والاحتقان.

الدولة القوية ليست تلك التي تعاقب جماعة كاملة بسبب فعل فرد أو مجموعة، وإنما تلك التي تستطيع الوصول إلى الجاني وتقديمه إلى العدالة من دون أن تجعل أبرياء آخرين ضحايا لجريمته.

من حماية المكان إلى حماية الإنسان:

تكشف حادثة جرمانا أيضاً أن مفهوم الأمن في سوريا المقبلة يجب ألا يبقى محصوراً في حماية المنشآت الحكومية أو النقاط العسكرية.

الحافلة العامة، والسوق، والمدرسة، والمشفى، والشارع السكني، كلها أصبحت جزءاً من مفهوم الأمن الوطني عندما يكون الإنسان هو محور الدولة.

ولهذا فإن مواجهة خطر العبوات الناسفة تحتاج إلى تطوير قدرات التحقيق الجنائي والأدلة الرقمية والفحص الفني، إلى جانب رفع مستوى حماية وسائل النقل والأماكن العامة المكتظة، مع الحفاظ على التوازن بين مقتضيات الأمن والحريات العامة.

وتشير توصيات الشبكة كذلك إلى أهمية الدعم الدولي الفني للمؤسسات السورية المختصة، ولا سيما في مجالات التحقيق في العبوات الناسفة والأدلة الرقمية، إضافة إلى دعم المؤسسات الطبية وبرامج التأهيل النفسي والاجتماعي للضحايا.

الجريمة لا تنتهي بانتهاء الانفجار:

في كثير من الأحيان ينتهي الاهتمام الإعلامي بالحادثة بعد إخلاء المكان ونقل المصابين، لكن بالنسبة إلى الضحايا تبدأ مرحلة أخرى.

هناك مصابون قد يحتاجون إلى علاج طويل، وأسر فقدت أحد أفرادها، وأشخاص قد يعانون آثاراً نفسية لا تظهر في التقارير الطبية الأولى. ولذلك فإن الرعاية الطبية والدعم النفسي والاجتماعي والتعويضات الممكنة ليست قضايا ثانوية، بل جزء من الاستجابة المسؤولة للجريمة.

كما أن حق المجتمع في المعرفة لا يقل أهمية عن حق الضحايا في الرعاية. ومن هنا تأتي أهمية إعلان نتائج التحقيق الأساسية للرأي العام بصورة دورية، مع عدم كشف المعلومات التي يمكن أن تضر بسير التحقيق أو تعرض الشهود للخطر.

اختبار للدولة الجديدة:

في سوريا التي تحاول الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة بناء الدولة، لا يمكن النظر إلى تفجير جرمانا باعتباره حادثاً أمنياً معزولاً فقط.

فكل اعتداء على مدنيين يختبر قدرة المؤسسات الجديدة على الإجابة عن أسئلة أساسية: هل تستطيع الدولة حماية الناس؟ هل تستطيع التحقيق عندما تقع الجريمة؟ هل تستطيع تحديد المسؤولية الفردية؟ وهل تستطيع تقديم المتهم إلى محاكمة عادلة من دون تحويل العدالة إلى انتقام؟

هذه الأسئلة هي جوهر المرحلة الانتقالية.

فبناء الدولة لا يقاس فقط بإعادة فتح الطرق وترميم المباني واستعادة المؤسسات، وإنما أيضاً بقدرة المواطن على ركوب حافلة عامة من دون خوف، وعلى إرسال أطفاله إلى المدرسة، وعلى السير في شارع مدينته وهو يشعر أن القانون موجود لحمايته.

وفي النهاية، لا تحتاج سوريا إلى رواية جديدة تُبنى على الاتهام المسبق، بل إلى حقيقة يمكن إثباتها أمام القضاء.

تفجير جرمانا يستحق تحقيقاً يصل إلى الحقيقة كاملة: من نفذ، ومن خطط، ومن ساعد، ولماذا استُهدف المدنيون؟

وحين تظهر الإجابات، تكون الخطوة الأهم هي أن تتحول الحقيقة إلى عدالة، والعدالة إلى حماية، والحماية إلى ثقة.

فالدولة الجديدة لا تُختبر فقط بقدرتها على مواجهة من يحمل السلاح، بل بقدرتها على جعل حياة المدنيين غير قابلة للاستباحة.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني