
المشروع الإيراني وحزب الله في سوريا.. المخاطر وسبل المواجهة
لم يكن العداء الإيراني لإسرائيل والولايات المتحدة بعد انتصار الثورة الإيرانية غريباً بل كان متوقعاً، لأنّ نظام الشاه كان مدعوماً بقوة من واشنطن وتل ابيب وهما من تعاون في إنشاء وتدريب ورعاية جهاز السافاك (المخابرات الإيرانية) والتي عانى من بطشها كل معارضو الشاه، بل حتى يحمل الوعي الجمعي الإيراني ذكريات سيئة عن جهاز الـ CIA الذي كان متهماً بتدبير الانقلاب على مصدق عام 1953 وإعادة الشاه الهارب إلى الحكم، وبالطبع يُعتبر محمد مصدق بطلاً وطنياً عند الإيرانيين.
لكن الغريب كان المبالغة في إظهار حجم العداوة لإسرائيل خاصةً ورفع وتبني شعارات رفعها الانقلابيون العسكريون العرب قبلهم في الخمسينات والستينات وظهر للجميع زيفها حيث كانت تلك الشعارات وسيلة للوصول للحكم والبقاء فيه والقمع الداخلي وعدم نجاح أيّ مشروع تنموي داخلي أو إصلاح لبنية الدولة وتحديثها واحترام حقوق الانسان ومشاركته في الحكم، بل إنّ تلك الشعارات فقدت بريقها وتأثيرها بعد الهزيمة الكبرى للجيوش العربية في حزيران 1967 واتجاه سوريا والعراق إلى ديكتاتوريات عائلية ووصول الرئيس أنور السادات إلى محطة كامب ديفيد 1979.
كان أمام قادة الثورة الإيرانية الجُدد بعد أن أزاحوا منافسيهم في الداخل من غير رجال الدين والذين شاركوا معهم في الثورة، حيث كان رجال الدين يحملون مشروعاً مذهبياً مُعدّ للتصدير للخارج، مع اجترار تجربة الانقلابيين العسكريين العرب قبلهم للحصول على شرعية للحكم يفقتقدونها، والتقية على مشروعهم الإمبراطوري الحقيقي وهو السيطرة على الشرق العربي الإسلامي بل والطموح لقيادة العالم الإسلامي برمّته بعد السيطرة على مكة والمدينة، حيث يعتقدون أنهم حملة لمشروع الإمام الغائب في تصحيح أخطاء العقيدة والتاريخ بل وحتى تغيير الجغرافيا، ولم يخفوا ذلك وتم إقرار نظام ولاية الفقيه ودسترته والتصريح بمذهب الدولة وتثبيته في أول دستور للدولة يتم إقراره بعد الثورة.
كان تحالف الأقليات بين نظام الملالي ونظام الأسد الأب حتمياً (وهو ما حصل باكراً) واستمر إلى سقوط الأسد الابن، وطوال الـ 45 عاماً التي عاشها هذا الحلف كان تحالفاً إستراتيجياً طائفياً عميقاً رغم اختلاف صورة وبنية الحكم في سوريا وإيران، وتمكّن نظام الملالي من الجمع تحت عباءته معظم القوميين العرب واليساريين المحبطين من فشل مشاريع القومية العربية واليسار العالمي والذي كان واضحاً في سقوط النموذج السوفييتي حيث كان العداء المعلن لأمريكا وإسرائيل هو المبرّر لتشكيل هذا الجمع المتناقض من العلمانيين مع رجال الدين الإيرانيين ووكلائهم العرب كحسن نصر الله في لبنان الذي كان نقطة جذب لحلف الأقليات حيث ضمّ دروزاً ومسيحيين وعلويين ومن مختلف الاقليات، إضافةً للعلمانيين العرب سواء أكانوا من الأقليات أم من السنة.
يدرك الأمريكان والإسرائيليون أنّ غاية المشروع الإيراني ليس إزالة اسرائيل أو طرد النفوذ الامريكي من المنطقة (كما هو معلن) لذلك حاولوا التخادم مع هذا المشروع الوليد والذي يمكن توظيفه لخدمة أهدافهم الإستراتيجية بل برزت الحاجة إليه بعد أحداث سبتمبر 2001 عندما وُجٍدَ العدو المشترك الإستراتيجي لهما والذي تَمثّل في الجهادية السنية العالمية التي أدمت امريكا وهزت هيبتها، وطبعاً إضعاف السنة عموماً والتي تخرج تلك الجماعات منهم.
نجح التخادم في عهدي بوش الابن وأوباما واللذان حكما أربع ولايات رئاسية اثنتان لكل واحد، وتخادما مع نظام الملالي لأبعد الحدود ولم تنقضِ ولاية الرئيس أوباما إلا وإيران تسيطر على أربع عواصم عربية مع عقد اتفاق نووي معها، فيما حطم الرئيس بوش قبله أهم عدوين لإيران في الشرق والغرب وبالنتيجة احتلت إيران العراق وتمددت للمشرق العربي حيث كان نظام الأسد وحزب الله جاهزين لإكمال حلقة السلسلة الإيرانية.
وكان كل هذا التمدّد الإيراني يجري تحت أنظار الاسرائيليين وداعميهم في قلب المؤسسات الحاكمة في الولايات المتحدة حيث كانت العقيدة الأمنية الإسرائيلية من عهد بن غوريون ترى في العرب السنة العدو الأول والأخطر وكان الأمل أن يشمل تحالف الأقليات اليهود مع الشيعة.
كان الإسرائيليون يتحملون بعض المنغصات الإيرانية سواء كانت من حزب الله أو حماس وكانوا يأملون في تحطيم المنطقة عبر صراع سني – شيعي لا يبقي ولا يذر ويضعف الفريقين، إلا أنّ إستراتيجية إيران رأت أنّ المشرق العربي دان لها وهو المحيط بإسرائيل وأنّ دول الخليج العربي ستأتي في مرحلة لاحقة وتُذعن لها بعد أن زرعت الحوثي بدعم أمريكي في خاصرة المملكة العربية السعودية، وأنّ الطوق من الشرق الإيراني والجنوب اليمني والشمال الشامي العراقي هذا الطوق يزداد إحكاماً.
كانت خطة جزّ العشب في سوريا هي الطريقة التي أدار الروس والأمريكان فيها التناقضات الإيرانية – الإسرائيلية بمعنى كان هناك مصلحة روسية – أمريكية لتخادم إيراني مع إسرائيل برعاية القوتين الأعظم في العالم، لكن هذا التخادم فشل بعد 7 أكتوبر 2023، وهل الطوفان كان سبباً لفشل التخادم أم نتيجة له فذلك مجال للنقاش لن ينتهي قريباً، المهم أنّ هذا التخادم انتهى ويرى بعضهم أنّ الإنذار الامريكي الأول لإيران لاحتمالية فشل التخادم كان في خروج الرئيس ترامب من الاتفاق النووي مع إيران في مايو 2018 والعودة للعقوبات الأمريكية القصوى، والإنذار الثاني كان في قتل الرئيس ترامب لرمز التخادم وهو قاسم سليماني، لكن سارت الأحداث في عهد إدارة الرئيس بايدن إلى فشل العودة للاتفاق النووي والصدام الروسي مع الناتو في أوكرانيا 2022 ثم طوفان غزة في أكتوبر 2023، فقد كانت المملكة العربية السعودية قاب قوسين أو أدنى من الانضمام لقافلة السلام الإبراهيمي وتشكيل جبهة معادية لإيران في المنطقة.
دفعت سوريا ثمناً غالياً للتخادم الأمريكي – الروسي – الإيراني وكانت عمليات القتل التي يمارسها النظام وحلفاؤه محمية دولياً وسُمِح له باستعمال كل أدوات القتل بما فيها الأسلحة الكيماوية.
عندما استسلم الجميع لفكرة بقاء الأسد حاكماً في سوريا ومحاولة التأقلم مع ذلك والاكتفاء بحلم تخفيف علاقاته مع إيران وبدأ عملياً مخطط لإعادة تعويمه كأمر واقع، كان للسوريين ومن خلفهم الأتراك كلام آخر فاجؤوا فيه العالم، فقد كانت الاستعدادات جارية بين الثوار السوريين والأتراك على اغتنام فرصة أو استغلال لحظة تاريخية نادراً ما تحدث وهي انتهاء التخادم مع إيران بل واندلاع الحرب معها في حين كان حليف النظام الروسي غارقاً حتى أذنيه في الوحول الأوكرانية.
كانت فرصة إسقاط النظام عملية وواقعية وتلوح في الأفق وتم استغلالها على أكمل وجه، وبإسقاطه كان المشروع الايراني يتلقى أكبر خسارة منذ 1979، حيث ذهب النظام الطائفي في سوريا إلى مزابل التاريخ وأصبحت الجغرافيا السورية حائطاً صلباً أمام استمرار الهيمنة الإيرانية في المنطقة وعادت سوريا إلى أهلها ومحيطها.
لن تُسلّم إيران بخسارتها في سوريا، وهي وإن كانت مشغولة الآن مع أذرعها في حروبها مع الولايات المتحدة وإسرائيل فهي تتحيّن الفرص الآن لإضعاف التجربة السورية ومحاولة إفشالها، ولا يفيدها استقرار سوريا ونجاح نموذجها، لأنها ترغب في إيصال الامدادات إلى رأس حربتها في لبنان وتريد ضعفاً أمنياً في سوريا يُحقّق ذلك الهدف التكتيكي، ويحرص حزب الله بموافقة إيرانية على استضافة الفلول وكل أعداء العهد الجديد في لبنان وحمايتهم وتسليحهم انتظاراً للحظة تراها مؤاتية، ويرى بعضهم أنّ النظام في إيران استناداً إلى إستراتيجيتها المعلنة وأهدافها المستقبلية وتاريخها في سوريا تُعتبر عدواً إستراتيجياً لسوريا والسوريين لابد من الاستعداد الجدي لمواجهته اذا كنا نريد كفّ شروره، ولا يعني السوريين إسقاط النظام الإيراني من عدمه فتلك لعبة كبرى لا تعنينا، ولكن سحب سلاح حزب الله وإخضاعه للدولة اللبنانية وكذلك الحشد الشعبي في العراق فهو أمر يعني السوريين وسيقومون بدعمي حكومتي البلدين الشقيقين لإنجاز ذلك أما ما يُشاع عن أكثر من ذلك فهو مرهون بتطور الأحداث في المنطقة والنظر إلى المصلحة السورية أولاً وأخيراً.