الكاتب علي سفر لـ «نينار برس»: نجاح سوريا لن يُقاس بقوتها العسكرية بل بقدرتها على بناء دولة تصنع الاستقرار

0 12

يرى الكاتب والصحفي السوري علي سفر أن التحولات التي تشهدها سوريا بعد سقوط نظام الأسد تمثل فرصة تاريخية لإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة، لكنه يؤكد أن نجاح هذه المرحلة لن يتحقق بمجرد تغيير السلطة، بل ببناء دولة حديثة تقوم على سيادة القانون، والعدالة، والمؤسسات، والشراكة مع محيطها الإقليمي، بعيداً عن سياسات النفوذ التي طبعت العقود الماضية.

وفي حديثه لـ «نينار برس»، يرفض سفر اختزال مستقبل سوريا في إعادة الإعمار أو الاقتصاد وحده، معتبراً أن القضية الأعمق تتمثل في الانتقال من منطق السلطة إلى منطق الدولة، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة الاستقرار.

ويؤكد أن سوريا لم تكن خلال العقود الماضية مجرد ساحة لصراعات الشرق الأوسط، بل كانت جزءاً من أزمة المنطقة نفسها، بسبب غياب الدولة وهيمنة نظام احتكر مؤسساتها وحوّلها إلى أدوات لخدمة بقائه، الأمر الذي منع السوريين من بناء دولة حديثة قادرة على مواكبة المستقبل.

ويضيف أن استقرار سوريا لا يمكن فصله عن استقرار الإقليم، ولذلك فإن إعادة بناء المؤسسات والاقتصاد، على أهميتها، يجب أن تسبقها مصالحة وطنية حقيقية تقوم على الاتفاق بين السوريين على القطع مع النهج السابق، وإقامة علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع.

ويشدد على أن العدالة الانتقالية ليست ترفاً سياسياً ولا عبئاً على المستقبل، بل شرط أساسي لأي استقرار دائم، لأن تجاوز الجرائم والانتهاكات من دون محاسبة سيبقي المصالحة منقوصة ويجعل أي استقرار هشاً وقابلاً للاهتزاز.

ويعتبر سفر أن إعادة بناء الدولة السورية تعني في الوقت نفسه إعادة تعريف دورها الإقليمي، بحيث تنتقل من دولة استُخدمت لابتزاز الجوار وإدارة الأزمات إلى دولة تعبّر عن مصالح شعبها وتسعى إلى التعاون مع محيطها بوصفها شريكاً في التنمية والاستقرار.

وفيما يتعلق بلبنان، يرى أن فهم أي دور سوري مستقبلي يبدأ بفهم طبيعة النظام السابق، الذي لم يتعامل مع الداخل السوري باعتباره أولوية، بل استخدم البلاد قاعدة لبناء نفوذ إقليمي يخدم استمراره في الحكم.

ويصف الدور الذي مارسه نظام حافظ الأسد بأنه لم يكن دور دولة وطنية بقدر ما كان دور سلطة نسجت علاقات متناقضة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، وقدمت خدمات سياسية وأمنية مقابل تثبيت نفوذها، مؤكداً أن التدخل السوري في لبنان جاء ضمن شبكة معقدة من المصالح الإقليمية والدولية، ولم يكن تعبيراً عن مصالح السوريين أو اللبنانيين.

ويرى أن المؤشرات الحالية تختلف عن تلك المرحلة، مشيراً إلى أن السلطة السورية الجديدة أعلنت، وعلى لسان الرئيس أحمد الشرع، رغبتها في بناء علاقة جديدة مع لبنان تقوم على احترام سيادة الدولتين والتعاون بينهما، لا على الوصاية أو التدخل.

ويؤكد أن نجاح هذا التوجه مرهون بتحويل هذه التصريحات إلى سياسات عملية، بحيث يصبح التعامل مع الملفات اللبنانية، بما فيها ملف سلاح حزب الله، عبر مؤسسات الدولة اللبنانية وحدها، بعيداً عن شبكات النفوذ التي حكمت العلاقات بين البلدين لعقود.

وفي الجانب الاقتصادي، يحذر سفر من اختزال مستقبل سوريا في دورها الجغرافي أو التجاري فقط، رغم اعترافه بأن موقعها يمنحها فرصة كبيرة للتحول إلى مركز إقليمي للنقل والطاقة والتجارة إذا نجحت في بناء مؤسسات مستقرة وبيئة قانونية جاذبة للاستثمار.

ويشدد على أن الاقتصاد لا يمكن أن يكون بديلاً عن الدولة، بل هو نتيجة لنجاحها، موضحاً أن مكانة الدول لا تُبنى بالإيرادات وحدها، وإنما أيضاً باستقرارها السياسي، وقوة مؤسساتها، واحترامها للقانون، وقدرتها على إنتاج المعرفة والثقافة، وبناء علاقات متوازنة مع محيطها.

ويضيف أن سوريا تمتلك، إلى جانب موقعها الجغرافي، رصيداً بشرياً وثقافياً وسياسياً يؤهلها لاستعادة دور إيجابي في المنطقة، إذا استطاعت تأسيس دولة حديثة تحترم مواطنيها وتبني شراكات تحقق المصالح المشتركة.

ويرى أن المرحلة المقبلة تتطلب مفهوماً جديداً للنفوذ، يختلف جذرياً عن المفهوم الذي ساد خلال العقود الماضية، حيث ارتبط النفوذ بالقوة العسكرية أو الأمنية والتدخل في شؤون الآخرين، بينما ينبغي أن يصبح النفوذ في المستقبل نابعاً من نجاح الدولة نفسها وقدرتها على إنتاج الاستقرار.

ويؤكد أن سوريا تقف اليوم أمام لحظة تأسيس حقيقية، لكنها ليست مضمونة النتائج، لأن إسقاط النظام لا يعني تلقائياً إسقاط الثقافة السياسية التي حكمت البلاد لأكثر من نصف قرن.

ويشير إلى أن التحدي الأكبر لا يتمثل في تغيير الأشخاص، بل في منع عودة أنماط الحكم التي حولت الدولة إلى أداة بيد السلطة، وربطت الدور الإقليمي ببقاء النظام لا بمصالح المجتمع.

ويختتم علي سفر حديثه لـ «نينار برس» بالتأكيد على أن معيار نجاح سوريا الجديدة لن يكون في حجم ترسانتها العسكرية أو قدرتها على فرض النفوذ، وإنما في قدرتها على بناء مؤسسات مستقلة، وترسيخ سيادة القانون، وضمان الحقوق والحريات، وإقامة اقتصاد منتج، وبناء شراكات متوازنة مع محيطها، لأن قوة الدولة، في النهاية، تبدأ من نجاحها في خدمة مواطنيها، ومن احترام القانون داخل حدودها قبل البحث عن دور خارجها.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني