القطيعة تكون مع النظام البائد.. أليس هذا هو المنطق يا حكومة الانتقال؟

0 14

تمهيد

بناء الدولة في سورية التي تضمن الحرية والعدالة والديمقراطية هو أهم مبرر للقطيعة مع كل آثار النظام البائد.

كنا ولا نزال نكرر رأينا ومطلبنا، أنه على هذه الحكومة الانتقالية التصالح الفعلي مع الشعب الثائر، وليس الاكتفاء بتكرار أحداث إسقاط النظام البائد. والتصالح مع الشعب يعني إشراكه فعلاً في بناء دولته على أسس الحرية والعدالة والديمقراطية، وليس جعله مجرد قطيع متفرج على أمور وتصرفات غامضة من الحكومة تخلق القطيعة العميقة المدمرة بين السلطة والشعب.

1- النقد الصادق نصيحة للصديق

ربما يكون عنوان هذه الخاطرة لاذعاً في نظر كثير من مناصري للسلطة. نحن ننتقد علناً لأن أمر هذا الوطن يهمنا كلنا. وكما يقال: صديقك هو من صدقك القول والحقيقة، وليس من صدّقك وسايرك على النفاق.

ولو نظر هؤلاء المناصرون المتحمسون بحيادية إلى العلاقة بين الشعب والسلطة، فإنهم سيجدون أنفسهم في غربة حقيقية أو انفصال تام عن فهم ما يجري بين السلطة والشعب من تنافر جدي.

يكاد أن يسود انطباع بأن الحكومة تحكم فقط «بقوة المتغلّب»، وليس بشرعية الثقة بين الحاكم والمحكوم، مع أن الحكومة تحاول «إعلامياً» تكرار أنها ممثلة للشعب بدلالة إسقاط نظام الأسد. هذه الممارسة لا تختلف عن فلسفة كل متغلّب أو سلطة احتلال؛ إنها هنا من أجل رسالة ما: الإنقاذ مثلاً، أو الإسلام، أو الحضارة، أو الرفاه، أو التقدم، إلخ…

2- لماذا هذا الشعور بالقطيعة الحكومية؟

يجمع أغلب مجتمع الثورة على أن الحكومة قد لبست ذات ملابس النظام السابق، ولكن بلون مختلف، وقد تجاهلت كل المطالب الثورية في الحرية والديمقراطية والعدالة، كما تجاهلت كل بديهيات بناء الدولة. واتجهت للتصالح مع رموز وبقايا النظام البائد بصورة لم يفهمها أحد. واتجهت إلى تطبيق تجربتها الإدلبية الضيقة المبنية على حكم المتغلّب الإسلامي، دون احترام لتضحيات بقية السوريين.

نعم، كأن الحكومة قد اختارت الانحياز إلى نهج النظام البائد الاستبدادي، باستخدام فلول النظام واستقطابهم ليشكلوا حاضنتها الجديدة المطيعة.

3- شكاوى من تغلغل الفلول

الفلول، في تعريفي، ليسوا المجرمين المنتسبين إلى الطائفة العلوية فقط، بل تشمل هذه التسمية الكثير من حثالة السنّة وغيرهم ممن ساندوا النظام البائد بكل ما استطاعوا.

ليس القصد من استنكار تغلغل الفلول هو حرمان فئة من السوريين من كسب قوت يومهم بشرف، بل ردع فسادهم المتأصل. والمشكلة ظهرت من غياب العدالة الانتقالية واختلال ميزان العدل فعلاً. ما أدى إلى إهمال حقوق ضحايا جرائم النظام البائد، وغض النظر عن كثير من أعوان النظام البائد، وجعلهم من حاضنة السلطة الحاكمة. وهذا ولّد شعوراً عميقاً بالغبن لدى الأحرار ضد حكومة ترفع علم الثورة.

4- من مظاهر القطيعة الأقسى

أولى مظاهر القطيعة هو استنكارها النهج الديمقراطي وممارستها، إذ حرمت حتى النطق بكلمة الديمقراطية، وخلقت أشكالاً ديمقراطية تشبه خيال المآتة.

والمظهر الثاني للقطيعة هو أسلوبها الغريب في بناء الدولة، إذ إنها تصرفت وكأن الدولة أحجار دومينو ترتبها كيفما تشاء، دون احترام لحاجات الناس ولا لأسس الكفاءة والقوة، بل قدّمت الولاء السياسي الساذج، حتى في أبسط المهام، على الكفاءة، مما جعل الدولة تبدو كأنها هيكل ضخم عاجز عن الحركة تماماً، ما عدا الجباية المالية الفعالة.

والمظهر الثالث هو التماهي مع «خداع سراب» النجاح الظاهري في السياسة الخارجية التي شهدت تقوقعاً غير مفهوم أهدر فرص الإعمار والتنمية.

ونستغرب من الفكر السياسي الغريب الذي يحرك هذه الحكومة تجاه مصير أسود، أشبه بتصرف الفراشات في الليل عندما تنجذب إلى النيران وتحترق بها.

5- زبدة الكلام: تواضعوا..

ربما أهم ما نلخص به هذه الخاطرة أنه على ذلك العقل المحيّر (السري والاستراتيجي) الذي يحكم تصرفات هذه الحكومة الانتقالية أن يصحو من غروره وتعاليه على أبناء وطنه، وأن يصحو من نشوة النصر الزائفة، وينزل من برجه العاجي ويعمل للوطن كما يعمل العقلاء في كل دول العالم. وأن يودّع مظاهر السذاجة والغلو، ويقترب من قومه، فهم طوق النجاة.

والعاقل من اتعظ بغيره.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني