العدالة تلامس جميع الأطياف

0 102

حسام بدرخان

لم تكن هذه الجمعة عاديَّةً أبداً فقد حملت فرحاً عظيماً سبقه فرحٌ كبير حيث خلد السوريُّون إلى أسرَّتهم فرحين بخبر عودة أبو الهمام البويضاني حرَّاً كريماً بعد اعتقال قارب العام في سجون الإمارات العربيَّة المتَّحدة ليستفيقوا على خبر اعتقال المجرم أمجد يوسف المتهم الأكبر في مجزرة التضامن التي خلَّفت جروحاً عميقةً في قلوب مئات العائلات التي فقدت أقاربها من شيبٍ وشبَّان في جريمةٍ تنزع صفة الإنسانية عن كائنٍ يقتل مدنيين بدمٍ باردٍ وهو يردِّدُ عبارة (لعيون المعلِّم) عاصباً أعينهم رامياً جثثهم في حفرةٍ لم تتَّسِع لحقده الأعمى.

لكنَّ البداية الحقيقيَّة هي لحظة اعتقال هذا المجرم إذ وَجَبَ علينا العودة إلى بداية الرواية لنستذكر مَن فضح المجرم ونشر قصَّته التي ظن أنَّها ستبقى حبيسة جوَّاله الذي وثَّق جريمته به وكيف وقع في قبضة الأمن العام ومن يعرف مكان تواجده وتحركاته.

هذه الأسئلة تقودنا إلى حقائق لا يجب أن تغيب عن الشعب السوري وأهمُّها أنَّ مَن كشف هذه الجريمة هي صحفيَّةٌ علوية تُدعى أنصار شحُّود استطاعت اختراق قُرابة الخمسمئة عنصر من المنظومة العسكريَّة والإعلاميَّة للنظام البائد عبر حسابها على منصَّة فيسبوك منذ 2018 وحتى الوصول إلى حساب المجرم أمجد عام 2021 والنجاح بإقناعهم أنها مُواليةٌ لنظام الأسد وُصولا إلى اعتبارها من قِبَلِهم الملجأ الذي يشتكون إليه من همومهم ومعاناتهم.

وبعد سنوات من العمل والتواصل معهم واستدراجهم وجمع المعلومات والمُساعدة التي تلقَّتها من الباحث التُركيّْ (أور أميت أونغر) ووسيط في دمشق بقي مجهولاً حتَّى الآن نشرت ما وصلت إليه من معلومات في صحيفة الغارديان ليفتضح أمر المجرم أمجد وتدخل الصحفيَّةُ في دربٍ طويلٍ من الكوابيس والتهديدات والملاحقة التي استمرَّت حتى سقوط نظام الأسد لتتنفَّس الصحفيَّةُ أنصار الصُعَداء وتلامس نسمات الحريَّةِ قلبها المُتعب من هول ما شاهدَتْ وسَمِعَت ووثَّقَتْ.

أمَّا أمجد فقد هرب مع سقوط طاغية العصر وتوارى عن الأنظار كما أنه نجح في الإفلات من عدَّة محاولات للقبض عليه ليسقط اليوم مُلطَّخاً بدمه الذي كشف محاولة المقلومة والهرب الفاشل حيث انتهى به الأمر مُقَيَّدأ بأصفاد جرَّبها قبله مئات الآلاف من السوريين بعضهم اختفى دون أثر وبعضهم عاش يروي الفظائع التي عاشها ولم يُصدِّق أنه سيخرج حيَّاً بعدها وهنا يبرز السؤال المُهمّْ من كان يعرف مكان أمجد وتواصل معه ويتستَّر عليه؟ هل كان أمجد يسير في شوارع القرية التي قُبض عليه فيها؟ هل كان يزرع أرضاً هناك؟ هل كان يسهر مع شُبَّان القرية كلَّ مساء؟

قَطْعاً لا.

إذن هناك من قام بالتبليغ عنه بعد عودته إلى قريته (نبع الطيِّب) ومن بلَّغ عنه هو بالتأكيد من دائرته الضيِّقة حيث أنَّه اختبأ في منزل المدعوَّة (ياسمين أم علي) المُنحَدِرة من الساحل السوري إلى نهر عيشة قبل جامع أنس بن مالك على أوتوستراد درعا في العاصمة دمشق وهي أمٍّ لثلاثة مجرمين بحسب أهل المنطقة (طالب ومحمد وعلي) حيث كانوا سبباً في إعدام ثمانية شُبَّانٍ عند دخول عصابات الأسد إلى الميدان ونهر عيشة والدحاديل والبيادر.

الفرحة اليوم تُلامس قلب فدوى سليمان وميّ سكاف ومشعل تمّو تماماً مثلما تملأ قلوب عائلات التضامن وما حولها لكنَّها تبقى ناقصةً لأنَّ شريك أمجد في تلك المجزرة المدعو (نجيب الحلبي) لا يزال طليقاً ضمن ما يُسمَّى بالحرس الوطني (الخارج عن القانون) في السويداء.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني