السوريون في ألمانيا: من الوصول إلى صناعة الدور.. ثلاث مراحل شكّلت التحول السوري في ألمانيا (1-5)

0 49

لم يكن وصول السوريين إلى ألمانيا خلال السنوات الماضية مجرد انتقال جغرافي من بلد إلى آخر، بل كان انتقالاً إلى منظومة حياة جديدة بكل تفاصيلها؛ لغة مختلفة، وقوانين جديدة، ومؤسسات تحتاج إلى فهم، ومجتمع له قواعده الخاصة التي تتطلب وقتاً وخبرة للتعامل معها.

لكن بعد أكثر من عقد على بداية هذه الرحلة، لم تعد التجربة السورية في ألمانيا تُقرأ فقط من زاوية الوصول أو الاستقرار الأولي، بل أصبحت قصة تحول اجتماعي وإنساني؛ تحول انتقل خلاله السوريون تدريجياً من مرحلة محاولة فهم الواقع الجديد إلى مرحلة البحث عن موقع ودور داخله.

ويرى المرشد التربوي عقبة الجاسم، من خلال تجربته في العمل مع السوريين في ألمانيا، أن هذه الرحلة يمكن فهمها عبر ثلاث مراحل أساسية شكّلت مسار التحول: مرحلة الاستقبال، ثم مرحلة التحضير، وصولاً إلى مرحلة الانطلاق.

مرحلة الاستقبال… عندما كان الهدف فهم الحياة الجديدة:

كانت المرحلة الأولى مرحلة اكتشاف مجتمع مختلف بكل تفاصيله.

فالإنسان القادم إلى ألمانيا لم يكن أمام تحدي تغيير المكان فقط، بل أمام ضرورة فهم طريقة جديدة للحياة؛ كيف تعمل المؤسسات؟ كيف تُتخذ القرارات؟ كيف يتعامل المجتمع مع التعليم والعمل والمسؤوليات اليومية؟

في هذه المرحلة، كان جزء كبير من السوريين يحاول بناء صورة أولية عن النظام الجديد، وفهم القواعد التي تحكم الحياة العامة.

فالمسألة لم تكن مرتبطة فقط بتعلم اللغة، بل بفهم ثقافة التعامل، وطريقة التواصل، ودور المؤسسات، والخيارات المتاحة أمام الإنسان في المجتمع الجديد.

ويشير الجاسم إلى أن صعوبة هذه المرحلة جاءت من حجم التحولات التي واجهها الإنسان خلال فترة قصيرة؛ فهو ينتقل من بيئة يعرف تفاصيلها إلى بيئة جديدة يحتاج فيها إلى بناء معرفة مختلفة.

لكن مع مرور السنوات، لم تبق التجربة فردية.

فالذين وصلوا في السنوات الأولى بدأوا لاحقاً بتشكيل رصيد من الخبرة والمعرفة، وأصبحوا مصدراً للمعلومات والمساعدة لمن جاء بعدهم.

وهكذا بدأت الجالية السورية تنتقل من مرحلة تلقي التجربة إلى مرحلة إنتاج الخبرة الخاصة بها.

مرحلة التحضير… من التعامل مع الواقع إلى التخطيط للمستقبل:

مع مرور الوقت، تغيرت طبيعة الأسئلة التي يطرحها السوريون في ألمانيا.

لم يعد السؤال فقط: كيف نبدأ حياتنا هنا؟

بل أصبح: كيف نبني هذه الحياة على المدى الطويل؟

في هذه المرحلة بدأت الأسر السورية تكتسب معرفة أعمق بالمجتمع الألماني، ليس فقط من خلال اللغة، بل عبر فهم نظام التعليم، وسوق العمل، وطبيعة العلاقات الاجتماعية والمهنية.

وكان دخول الأبناء إلى المدارس الألمانية أحد التحولات الأساسية، إذ لم تعد الأسرة السورية تتعامل مع المجتمع الجديد من الخارج فقط، بل أصبح جزء من أبنائها يعيش داخل مؤسساته التعليمية والاجتماعية.

كما بدأت تظهر لدى كثير من العائلات مرحلة جديدة من الاستقلال في اتخاذ القرار؛ فبعد أن كانت تحتاج إلى من يشرح لها الطرق والإجراءات، أصبحت أكثر قدرة على البحث والمقارنة واختيار المسارات المناسبة.

ويرى الجاسم أن هذه المرحلة تمثل انتقالاً مهماً من الاعتماد على المعلومة الخارجية إلى امتلاك القدرة على صناعة القرار.

مرحلة الانطلاق… حين يتحول الاستقرار إلى مشروع مستقبل:

أما المرحلة الثالثة، فهي مرحلة بدأت تظهر بشكل أوضح لدى السوريين الذين أمضوا سنوات أطول في ألمانيا.

في هذه المرحلة لم يعد الهدف الأساسي هو تثبيت الحياة فقط، بل بدأ التفكير في التطور وصناعة المستقبل.

ظهرت نماذج سورية في مجالات متعددة؛ في التعليم، والجامعات، والتدريب المهني، والمهن المختلفة، وريادة الأعمال.

فالكثير من الشباب الذين بدؤوا حياتهم في ألمانيا وهم يواجهون تحديات اللغة والتأقلم، أصبحوا اليوم جزءاً من المؤسسات التعليمية والمهنية، وبعضهم بدأ بناء مسارات متقدمة عبر الدراسات العليا أو التخصصات المهنية.

كما تغير مفهوم النجاح لدى شريحة واسعة من السوريين.

فبعد أن كان النجاح يُقاس بالقدرة على الوصول إلى الاستقرار، أصبح يُقاس بامتلاك المعرفة، وتطوير المهارات، وبناء مستقبل مهني وشخصي يتجاوز مرحلة البداية.

وهنا يظهر التحول الأهم: الإنسان الذي كان يبحث عن مكان آمن يعيش فيه، بدأ يفكر في المكان الذي يستطيع أن يساهم فيه.

من مجتمع وافد إلى مجتمع يمتلك خبرة ودوراً:

يرى عقبة الجاسم أن التجربة السورية في ألمانيا لا يمكن فهمها من خلال لحظة الوصول فقط، بل من خلال المسار الكامل الذي مر به السوريون.

فخلال السنوات الماضية تشكل رصيد بشري متنوع يضم طلاباً، ومتخصصين، ومهنيين، وأكاديميين، وأصحاب مشاريع، وأشخاصاً يمتلكون خبرات يمكن أن يكون لها أثر داخل المجتمع الألماني.

ورغم أن هذا الحضور ما يزال بحاجة إلى مزيد من التنظيم والتنسيق، فإن التحول أصبح واضحاً: السوريون لم يعودوا فقط مجموعة تحاول التأقلم مع واقع جديد، بل أصبحوا جزءاً من هذا الواقع.

ولهذا فإن السؤال الجديد لم يعد: كيف استطاع السوريون التأقلم مع ألمانيا؟

بل أصبح: كيف يمكن للسوريين أن يحولوا وجودهم في ألمانيا إلى قيمة مضافة ودور فاعل خلال السنوات القادمة؟

فبعد مرحلة بناء الحياة، تبدأ مرحلة بناء الدور.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني