السوريون في ألمانيا: كيف تصبح الأسرة شريكاً في نجاح المدرسة؟

0 10

كان تلاميذ الصف الثالث في مدرسة ابتدائية بمدينة آيسليبن الألمانية يتعلمون الحساب حتى العدد ألف، بينما كان أحد زملائهم لا يزال يتدرب على الجمع والطرح ضمن العدد عشرين. لم يكن هذا التفاوت نهاية فرصته في التعلم، بل مدخلاً للبحث عن طريقة تساعده على التقدم انطلاقاً من مستواه الفعلي.

يروي الأستاذ أحمد عثمان، المدرّس في المدرسة، أن التعاون مع أسرة الطفل والاستعانة بتقييم متخصص أتاحا تكييف تعليمه مع قدراته. فبدل مطالبته بإنجاز المهمات نفسها التي يؤديها زملاؤه، أصبح يستخدم كتاباً ودفتراً وأوراق عمل تناسب مستواه، فيما كان عثمان يساعده داخل الصف كلما سمح الوقت. ومع استمرار الدعم، تحسنت علاقته بالرياضيات، ووصل في الصف الرابع إلى الحساب حتى العدد مئة.

تكشف هذه التجربة جانباً من العلاقة بين الأسرة والمدرسة: فالتعاون لا يقتصر على متابعة العلامات أو معالجة المشكلات بعد ظهورها، بل يمكن أن يسهم في فهم احتياجات الطفل، ومساعدته على التعلم، وحماية ثقته بنفسه. فكيف يمكن تحويل هذه العلاقة إلى شراكة مستمرة، وما الذي تستطيع المدارس السورية الاستفادة منه في هذا المجال؟

التواصل يبدأ قبل الصف الأول:

يعمل عثمان في التعليم الابتدائي بألمانيا منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، ويدرّس الرياضيات والمواد العامة واللغة الألمانية للأطفال الذين يتعلمونها لغة إضافية، إلى جانب اللغة الإنكليزية. وقد أتاحت له تجربته متابعة أشكال التواصل بين المعلمين والأسر في مواقف مدرسية يومية.

ويوضح أن التواصل يبدأ قبل التحاق الطفل بالصف الأول، إذ تنظم المدرسة لقاءات للأطفال المقبلين على الدراسة، تُعقد مرتين خلال العام، للتعرف إلى مدى استعدادهم وإطلاع ذويهم على المهارات التي يحتاجون إلى تطويرها.

وبعد بدء الدراسة، تتعدد وسائل التواصل، من دفتر الواجبات والملف المخصص للرسائل المدرسية إلى البريد الإلكتروني واجتماعات أولياء الأمور. وتستخدم بعض المدارس أيضاً برامج إلكترونية، مثل (Schulmanager).

لكن توافر هذه الوسائل لا يضمن وحده مشاركة الأسرة. فمن واقع تجربته، يلاحظ عثمان أن بعض أولياء الأمور يتابعون يوم الطفل ويسألون عن أدائه وملاحظات المعلم، في حين لا يحضر آخرون الاجتماعات بانتظام، وقد تمر فترة طويلة من دون مناقشة مباشرة لمستوى أبنائهم. وتكمن أهمية التواصل المبكر في إتاحة المجال لتبادل الملاحظات قبل أن تتراكم الصعوبات.

فهم الصعوبة بدل وصم الطفل:

عندما تظهر صعوبة دراسية أو سلوكية، يحتاج المعلم إلى فهم أسبابها وتحديد نوع المساعدة المناسبة. ويذكر عثمان أن المدرسة تمنح تلاميذ الصف الأول، بحسب تجربته، فترة من أربعة إلى ستة أسابيع لملاحظة وضعهم قبل اتخاذ قرار بشأن الحاجة إلى إجراءات إضافية.

ويستشهد بحالة طفل واجه صعوبة في كتابة اسمه، فنُصحت أسرته باللجوء إلى العلاج الوظيفي للمساعدة في تطوير المهارات اللازمة. وفي حالة أخرى، خضع طفل لتقييم في مركز متخصص، ما ساعد المدرسة على فهم بعض الصعوبات التي تؤثر في سلوكه وحركته داخل الصف والتعامل معها بصورة أكثر ملاءمة.

ويشدد عثمان على ضرورة الانتباه إلى طريقة الحديث مع الأسرة عند مناقشة مشكلات الطفل، قائلاً: «لا يصح أن يجلس المعلم مع أسرته ويقول لها مباشرة إن ابنها كسول». فبدل إطلاق أحكام على شخصية الطفل، ينبغي توضيح الصعوبة التي يواجهها، وشرح ما يحتاج إليه من دعم، والبحث مع الأسرة عن الخطوات المناسبة.

وتبرز أهمية هذا النهج في حالة تلميذ الصف الثالث الذي لم يكن قادراً على متابعة مستوى زملائه في الرياضيات. فبعد التقييم والتعاون مع أسرته، عُدّلت المهمات التعليمية لتناسب قدراته، وبدأ يحرز تقدماً تدريجياً. ويرى عثمان أن الضغط على الطفل لمجاراة الآخرين أو وصمه بالكسل قد يزيد إحباطه ويضعف ثقته بنفسه.

حين تعيق اللغة مشاركة الأسرة:

لا يكفي توفير قنوات التواصل إذا لم تتمكن الأسرة من فهم مضمون الرسائل. ويلاحظ عثمان أن بعض أولياء الأمور يواجهون صعوبة في تعبئة استمارات الانتقال إلى المدرسة التالية أو فهم الاختصارات الواردة في دفتر الواجبات، ما يستدعي شرح التعليمات مجدداً أو تصحيح البيانات.

وبحكم إتقانه العربية والكردية والإنكليزية والألمانية، ومعرفته ببعض التركية، يستطيع عثمان التواصل مع أسر متعددة الخلفيات اللغوية. وفي مدارس أخرى، قد تُترجم الرسائل أو يُستعان بمترجمين خلال الاجتماعات.

ولا يقتصر أثر الحاجز اللغوي على الإجراءات الإدارية؛ فقد يصعب على ولي الأمر فهم مستوى طفله، أو معرفة حاجته إلى مساعدة إضافية أو دروس تقوية. ومن هنا، يصبح توضيح الرسائل والتأكد من فهمها جزءاً أساسياً من الشراكة، لا مجرد مهمة تقع على عاتق الأسرة.

شراكة تتجاوز معالجة المشكلات:

يفرق عثمان بين دور المدرسة في التعليم وتوفير بيئة آمنة وتنمية المهارات، ودور الأسرة في التربية والدعم النفسي والاستقرار والمتابعة المنزلية. ويقوم التعاون، وفق هذا التصور، على تكامل الدورين واحترام خيارات الأسرة ما دامت لا تهدد سلامة الطفل أو حقوقه.

وتتيح المدارس، بحسب تجربته، اجتماعات فردية وعامة، وأياماً مفتوحة وفعاليات يشارك فيها الأهالي. كما توجد مجالس لأولياء الأمور (Elternbeirat) تتيح مناقشة شؤون المدرسة والمشاركة في بعض القرارات. لكن وجود هذه الفرص لا يعني أن المشاركة تتحقق تلقائياً؛ إذ تحتاج إلى استعداد الأسر للحضور، وإلى مدرسة تصغي إلى ملاحظاتها وتتعامل معها بجدية.

وعندما تتجاوز المشكلة إمكانات المعلم، قد تستعين المدرسة باختصاصيين نفسيين أو اجتماعيين، أو تتواصل مع مكتب رعاية الشباب (Jugendamt) عند وجود مخاوف جدية بشأن سلامة الطفل. وهذه إجراءات يوردها عثمان من واقع تجربته، ولا ينبغي فهمها على أنها مسار واحد يُطبّق في كل مدرسة أو حالة.

ما الذي يمكن أن تستفيد منه المدارس السورية؟

لا يدعو عثمان إلى نقل التجربة الألمانية بحذافيرها، بل إلى تكييف الممارسات المناسبة مع الظروف والإمكانات السورية. ومن أبرز ما يؤكد أهميته: الشفافية والاحترام المتبادل، ووضوح المسؤوليات، وتفعيل مشاركة أولياء الأمور والمجتمع المحلي.

ويمكن ترجمة هذه المبادئ إلى خطوات عملية، منها عقد اجتماعات دورية لمناقشة تقدم التلاميذ بدل الاقتصار على استدعاء الأسرة عند وقوع مشكلة، واعتماد دفتر واضح للواجبات والملاحظات، وتحديد مسؤوليات المدرسة والأسرة منذ بداية العام الدراسي. كما يمكن لمجالس أولياء الأمور أن تتيح مناقشة المشكلات واقتراح الحلول، بدل حصر دور الأهالي في تلقي القرارات.

ويقر عثمان بأن توفير خدمات نفسية واجتماعية متخصصة في سوريا قد يصطدم بمحدودية الموارد، لكنه يرى أن ذلك لا يمنع البدء بتدريب المعلمين على رصد الصعوبات، والتواصل باحترام مع الأسر، وتجنب الأحكام التي قد تجرح الطفل أو تحبطه.

فنجاح الشراكة لا يتوقف على توفر الإمكانات وحدها، بل يبدأ أيضاً من طريقة الإصغاء إلى الأسرة، وفهم احتياجات الطفل، والاتفاق على خطوات واقعية لمساعدته. فكيف يمكن للمدارس السورية بناء علاقة مستمرة مع الأسر تجعل متابعة التعلم مسؤولية مشتركة، وتتيح لكل طفل أن يتقدم وفق قدراته من دون أن يفقد ثقته بنفسه؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني