
في مدينة فيتن الألمانية، لم يكن عيد الفطر في المركز الثقافي الإسلامي مجرد احتفال ديني عابر، بل مشهدًا اجتماعيًا كثيفًا يعكس جالية سورية تحاول تثبيت حضورها بين ذاكرة خرجت من مكانها، وواقع أوروبي يعيد تشكيلها باستمرار.
في ثالث أيام العيد (22 مارس/آذار 2026)، امتلأت القاعات بأطفال يركضون ويضحكون. تختلط الأناشيد بالمسابقات والعروض المسرحية والتكريمات، فيما تباع الأطعمة وتُوزّع الحلويات كجزء من طقس يبدو مألوفًا في الشكل، مختلفًا في السياق.
وبين هذه الأجواء، كانت صحيفة نيناربرس تتنقل بين الحاضرين وتلتقي القائمين على الفعالية، محاولةً التقاط ما يتجاوز المشهد: كيف يُعاد بناء الانتماء حين يُنقل إلى بيئة لا تشبهه.
ضحكة طفل… وسؤال عن الهوية:
في إحدى القاعات، توقّف عرض للأطفال فجأة. رفعت الدمية رأسها، ثم خرج صوتها بسؤال مباشر:
“طيب… مين خلقنا؟”
ضحك بعض الأطفال. آخرون تبادلوا النظرات. طفل بقي محدقًا في المسرح، كأنه يسمع السؤال للمرة الأولى.
يقول قتيبة الزهيري، الذي قدّم العرض:
«لم أكن أريد أن يضحك الطفل فقط… بل أن يفكر: لماذا أنا مسلم؟»
في تلك اللحظة، تغيّر إيقاع المشهد. لم يعد العيد مساحة للفرح فقط، بل لحظة مبكرة يلتقي فيها اللعب بسؤال المعنى: كيف تتشكل الهوية في بيئة مختلفة اللغة والذاكرة والانتماء؟
المسجد كبديل اجتماعي:
في فيتن، لا يُنظر إلى المسجد كمكان عبادة فحسب، بل كمساحة اجتماعية تحاول سدّ فراغ تركته الهجرة.
يقول رئيس المركز الثقافي الإسلامي، ميسر عبود:
«المركز هنا لا يقدّم فقط صلاة… بل يحاول أن يعوّض غياب مجتمع كامل.»
ويضيف إمام المسجد، الشيخ مصطفى محمود سليخ:
«دور المسجد في أوروبا مختلف… هو تربية وهوية، وليس فقط عبادة.»
أما الدكتور مطاع الدروبي، أحد مؤسسي المركز، فيلخص البدايات:
«كنا نبني شيئًا من الصفر… ليس فقط مكانًا، بل فكرة مجتمع.»
هنا، لا يعمل المسجد كمرفق ديني فقط، بل كإطار يعيد ترتيب العلاقات، ويمنح الانتماء شكلًا جديدًا.
انتماء بين نظامين:
في الحياة اليومية، يعيش الجيل السوري في ألمانيا داخل توازن دقيق بين عالمين: نظام أوروبي بقواعده، وذاكرة عائلية لا تزال متصلة بجذورها الأولى.
يقول الإعلامي والمنسق في المركز، أسامة عبود:
«حتى بعض الألمان كانوا يسألونني: لماذا تعمل في مركز إسلامي؟ وكأن الأمر غير بديهي.»
ويضيف:
«لاحظت أن كثيرًا من الناس يحملون صورة نمطية عن الإسلام… وحتى بعض العرب لديهم الفكرة نفسها.»
لكن هذه الصور لا تبقى خارج الجيل، بل تتسرّب إلى داخله.
يقول قتيبة الزهيري:
«الطفل المسلم هنا قد يشعر أنه مختلف… لا يعيش نفس حياة أقرانه.»
سؤال بسيط يطفو سريعًا: هل الاختلاف يعني الخطأ؟
ويحذر الشيخ مصطفى سليخ:
«التحدي الحقيقي هو الحفاظ على الهوية دون عزل الجيل عن المجتمع.»
بين ضغط الاندماج وحدود الخصوصية، تتشكل هوية غير مستقرة، تتحرك باستمرار دون أن تستقر.
الإعلام… من التوثيق إلى صناعة الصورة:
مع اتساع الأنشطة، لم يعد الإعلام عنصرًا توثيقيًا فقط، بل أصبح جزءًا من تشكيل الصورة.
يقول أسامة عبود:
«الإعلام بالنسبة لنا ليس توثيقًا فقط، بل أداة تأثير وتغيير.»
ويضيف:
«إذا لم نوثق النشاطات، كأن الجهد كله لم يحدث.»
ثم يختصر:
«أي نشاط بلا حضور إعلامي فعّال يبقى ناقصًا وغير مرئي.»
ويربط رئيس المركز ميسر عبود هذا الحضور بالثقة:
«الناس تحتاج أن ترى… حتى تثق.»
هنا، تتحول الصورة إلى عنصر فاعل في إنتاج الواقع، لا مجرد انعكاس له.
الأطفال… من الترفيه إلى تشكيل الوعي:
في قلب الفعاليات، لا يظهر الطفل كمشاهد، بل كنقطة بداية.
يقول الزهيري:
«حاولت أن أعالج قضايا يعيشها الطفل في المدرسة… مثل الشعور بالغربة.»
ثم يضيف:
«هل يمكن أن يكون الاختلاف سببًا للفخر؟»
ويقول أسامة عبود:
«فيديو واحد قد يدفع عائلة لإرسال طفلها إلى النشاط.»
أما الإداري في المركز إبراهيم عثمان فيلخص:
«نحن لا ننظم فعاليات فقط… نحن نبني جيلًا.»
العمل التطوعي… العمود غير المرئي:
خلف الفعاليات، يقف أكثر من مئة متطوع؛ شباب المركز وطلابه ومدرّسوه، إلى جانب الأهالي وروّاد المسجد، بدافع واحد: الإيمان بأثر هذا العمل على الجيل القادم.
لكن هذا الحضور لا يستند إلى بنية مستقرة.
يقول أسامة عبود:
«المشكلة أن العمل تطوعي… لا يوجد فريق ثابت.»
ويضيف:
«العمل الاحترافي يحتاج فريقًا ثابتًا… لكننا نحاول الاستمرار.»
ويستعيد الدروبي البدايات:
«كنا نبني خطوة خطوة… بدون إمكانيات كبيرة.»
رغم ذلك، يبقى هذا الجهد غير المرئي هو ما يُبقي المركز قائمًا.
يقول ميسر عبود:
«الناس ترى يوم العيد فقط… لكن التحضير يبدأ قبل ذلك بشهور.»
ويضيف أسامة عبود:
«بعد انتهاء الحفل… يبدأ العمل الحقيقي بالنسبة لنا.»
بين هاتين اللحظتين، يمتد عمل كامل لا يظهر… لكنه يصنع كل ما يُرى.
هوية تحت الاختبار:
ما يحدث في فيتن ليس فعالية عابرة، بل اختبار مفتوح لقدرة جيل كامل على الحفاظ على توازنه داخل بيئة لا تشبهه بالكامل.
يقول قتيبة الزهيري:
«نحاول أن نجعل الطفل يفهم نفسه… قبل أن يحكم عليه الآخرون.»
لكن الصورة الأوسع تكشف مفارقة واضحة: مشروع هوية واسع، يقوم على جهد تطوعي متغير داخل سياق اجتماعي معقد.
وهنا يبرز السؤال الأثقل:
هل تبقى إدارة هوية الجالية السورية مسؤولية مبادرات محلية فقط؟
أم أن هذا الملف يحتاج إطارًا مؤسسيًا أوسع، يضمن الاستمرارية والتنظيم والدعم، ويضعه ضمن رؤية وطنية تتجاوز العمل الفردي؟
حتى الآن، لا إجابة حاسمة.
لكن المعادلة واضحة:
إما بنية قادرة على الاستمرار…
أو جهد هشّ يمكن أن يتراجع في أي لحظة.