السوريون في ألمانيا: الجيل الجديد بين الجذور والهوية الجديدة: كيف تُبنى شخصية تعيش بين ثقافتين؟ (3-5)

0 78

ليست كل تحديات الهجرة مرتبطة بالسكن والعمل واللغة والإجراءات القانونية.

فبعد أن تتجاوز الأسرة مرحلة الوصول والاستقرار، يظهر سؤال أكثر عمقاً يتعلق بالمستقبل:

كيف يمكن لجيل جديد أن ينتمي إلى المجتمع الذي يعيش فيه، وفي الوقت نفسه يحافظ على صلته بجذوره؟

بعد أكثر من عقد على وجود السوريين في ألمانيا، لم يعد السؤال الأساسي هو قدرة السوريين على الاندماج، بل أصبح مرتبطاً بشكل أكبر بمستقبل جيل نشأ أو تربى داخل المجتمع الألماني، ويحمل تجربة مختلفة عن تجربة الجيل الأول.

ويرى المرشد التربوي عقبة الجاسم، من خلال خبرته الأكاديمية والميدانية في متابعة الشباب والمتدربين، أن التحدي الأساسي لم يعد فقط مساعدة الجيل الجديد على النجاح، بل مساعدته على بناء شخصية متوازنة تجمع بين القدرة على المشاركة في المجتمع الألماني، والارتباط بالهوية الثقافية والجذور.

جيل جديد داخل مجتمع جديد:

يمثل الجيل السوري الذي دخل المدارس الألمانية حالة مختلفة عن الجيل الأول.

فهذا الجيل لم يعش تجربة الوصول والانتقال بنفس الطريقة التي عاشها آباؤه، بل تشكل جزء كبير من وعيه داخل البيئة الألمانية.

تعلم اللغة في المدرسة، وبنى علاقاته الاجتماعية، وتعرف على طريقة التفكير السائدة في المجتمع، وانتقل كثير من أفراده لاحقاً إلى التدريب المهني أو الجامعات أو سوق العمل.

وهذا أنتج نماذج سورية ناجحة في مجالات مختلفة؛ في التعليم، والمهن، والجامعات، ومجالات العمل المتنوعة.

لكن النجاح داخل المجتمع الجديد فتح سؤالاً آخر:

كيف يحافظ هذا الجيل على علاقته بجذوره؟

فالاندماج لا يعني فقدان الهوية، كما أن الحفاظ على الهوية لا يعني الانغلاق أو رفض المجتمع الجديد.

والتحدي الحقيقي هو بناء توازن يجعل الشاب السوري جزءاً فاعلاً في ألمانيا، وفي الوقت نفسه يمتلك معرفة بلغته وتاريخه وثقافته.

الهوية… من انتقال طبيعي إلى بناء واعٍ:

في المجتمع السوري السابق، كانت عملية انتقال الهوية تحدث ضمن بيئة متكاملة.

فالطفل كان يعيش اللغة والثقافة والعادات بشكل يومي من خلال الأسرة، والمدرسة، والمحيط الاجتماعي الواسع.

أما في ألمانيا، فقد تغيرت الظروف.

فالطفل يعيش معظم يومه داخل المدرسة والمجتمع الألماني، ويتأثر باللغة والأصدقاء والبيئة المحيطة.

وعندما يعود إلى المنزل، تواجه الأسرة تحديات الحياة اليومية؛ من العمل والمسؤوليات إلى متابعة التعليم وضيق الوقت.

وهنا تصبح عملية نقل اللغة والثقافة أكثر صعوبة مما كانت عليه في السابق.

ويرى الجاسم أن الهوية لدى الجيل الثاني لم تعد تنتقل بصورة تلقائية كما كانت في الوطن، بل أصبحت بحاجة إلى جهد واعٍ ومخطط.

ولهذا يمكن وصف المرحلة الحالية بأنها مرحلة “بناء الهوية”؛ أي أن الهوية تحتاج إلى مؤسسات وأنشطة وتجارب حية، وليس فقط إلى الاعتماد على البيئة المحيطة.

الأسرة… الدور الأساسي والتحديات الكبيرة:

تبقى الأسرة الحلقة الأولى في الحفاظ على اللغة والذاكرة الثقافية والقيم.

لكن دور الأسرة اليوم أصبح أكثر تعقيداً.

فالوالدان مطالبان بمساعدة الأبناء على النجاح داخل النظام التعليمي الألماني، ودعم مستقبلهم المهني، وفي الوقت نفسه الحفاظ على علاقتهم باللغة والثقافة السورية.

وهذا يتطلب وقتاً وجهداً ووعياً.

ففي سوريا كانت الأسرة جزءاً من منظومة اجتماعية كاملة تساعد على نقل الثقافة، أما في ألمانيا فهي تقوم بهذه المهمة داخل بيئة مختلفة تحتاج إلى أدوات جديدة.

لذلك يرى الجاسم أن مسؤولية الحفاظ على الهوية لا يمكن أن تقع على الأسرة وحدها، بل تحتاج إلى شراكة مع المؤسسات المجتمعية والثقافية والتربوية.

الحاجة إلى هوية حديثة وأدوات جديدة:

رغم وجود مبادرات لتعليم اللغة العربية وتنظيم الأنشطة الثقافية، فإن الحاجة اليوم أكبر من مجرد نشاطات منفصلة.

فالمطلوب هو بناء مسار مستمر يجعل العلاقة بالهوية جزءاً طبيعياً من حياة الأطفال والشباب.

ويرى الجاسم أن السوريين بحاجة إلى مشروع ثقافي واجتماعي حديث داخل ألمانيا، يستخدم أدوات العصر.

فالأجيال الجديدة تعيش في عالم رقمي تحكمه الهواتف والمنصات الإلكترونية، ولذلك يجب أن يكون المحتوى الثقافي السوري حاضراً بطريقة تناسب طريقة تفكيرهم.

وهنا يمكن للتربية والإعلام والثقافة أن تلعب دوراً مهماً في إنتاج محتوى يساعد الشباب على معرفة تاريخهم ولغتهم بطريقة جذابة وحديثة.

فالهوية لا تُحفظ فقط عبر التذكير بالماضي، بل عبر تحويلها إلى تجربة حية يشعر بها الجيل الجديد.

الهوية ليست عائقاً أمام الاندماج:

المعادلة الأساسية التي يطرحها الجاسم هي أن الهوية يمكن أن تكون عامل قوة، وليست عائقاً أمام الاندماج.

فالإنسان الذي يعرف نفسه وجذوره يكون غالباً أكثر قدرة على التواصل بثقة مع الآخرين.

والجيل السوري الجديد في ألمانيا لا يحتاج إلى الاختيار بين انتمائه الثقافي وواقعه الألماني، بل يحتاج إلى بناء شخصية متعددة الأبعاد.

شخصية تعرف كيف تعيش في المجتمع الجديد، وكيف تحمل معها ذاكرتها وتجربتها.

ومع مرور الوقت، ستصبح هذه القضية أكثر أهمية مع الأجيال القادمة؛ فالجيل الثالث والرابع سيكون أكثر ارتباطاً بالمجتمع الألماني بحكم النشأة، ما يجعل بناء علاقة واعية مع الجذور بحاجة أكبر إلى التخطيط.

زيارة الوطن… جسر إضافي لا يكفي وحده:

يمكن للزيارات إلى سوريا، عندما تكون الظروف مناسبة، أن تلعب دوراً مهماً في تعزيز العلاقة بالجذور.

فرؤية المكان، والتعرف على الثقافة، والاحتكاك بالمجتمع، تساعد الأطفال والشباب على بناء علاقة شخصية مع الوطن الذي ينتمون إليه عبر الأسرة والذاكرة.

لكن هذه الزيارات لا يمكن أن تكون الحل الوحيد، لأنها ليست متاحة دائماً لجميع العائلات.

لذلك يبقى التحدي الأساسي هو بناء بيئة ثقافية واجتماعية داخل ألمانيا تساعد الجيل الجديد على الحفاظ على علاقته بجذوره.

من الحفاظ على الوجود إلى صناعة الهوية:

في النهاية، فإن مستقبل الجيل السوري الجديد في ألمانيا لن يُقاس فقط بعدد الشهادات أو الوظائف التي يحصل عليها، بل أيضاً بقدرته على أن يكون جسراً بين مجتمعين.

جيل يعرف كيف يشارك في بناء المجتمع الذي يعيش فيه، وكيف يحمل ذاكرته معه.

فهذه المرحلة تمثل انتقالاً جديداً في رحلة السوريين:

من الحفاظ على الوجود…

إلى بناء هوية قادرة على صناعة المستقبل.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني