
الدولة الديمقراطية في سوريا: هل يتغير العهد الجديد؟
بعد عقود من الحكم الذي حرم السوريين من المشاركة الحقيقية في تقرير مصيرهم، يواجه العهد الجديد اختباراً يتجاوز تغيير السلطة وإعادة بناء مؤسسات الدولة: هل يستطيع السوريون الانتقال إلى دولة يكونون فيها مواطنين متساوين، لا رعايا ينتظرون قرارات الحاكم؟ إن الحديث عن الديمقراطية والمواطنة وسيادة القانون وتداول السلطة يفتح باب الأمل، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام بداية تغيير حقيقي في مفهوم الحكم، أم أن السلطة الجديدة ستكتفي بتغيير أساليب إدارة الدولة من دون تغيير طبيعتها وعلاقتها بالمجتمع؟.
منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، تواجه السلطة بقيادة الرئيس أحمد الشرع تحدياً يتجاوز تثبيت الاستقرار وإعادة بناء المؤسسات. فالسؤال لم يعد متعلقاً بمن يحكم سوريا فحسب، بل بطبيعة الدولة التي يجري تأسيسها، وبما إذا كانت ستصبح ملكاً لجميع مواطنيها، أم ستظل مرتبطة برؤية التيار الذي يتولى الحكم.
لا تقوم دولة المواطنة على مجرد استبدال سلطة بأخرى، وإنما على تغيير العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالدولة الديمقراطية ليست امتداداً لتنظيم سياسي أو مرجعية فكرية أو دينية، بل إطاراً مشترك يحمي حقوق المواطنين، ويتيح لهم الاختلاف والمشاركة من دون خوف من الإقصاء.
وهنا يبرز السؤال الأصعب أمام العهد الجديد: هل يستطيع الانتقال من منطق يستند إلى مرجعية أيديولوجية محددة إلى منطق الدولة التي تستوعب التعددية، ولا تفرض على السوريين تصوراً واحداً لهويتهم ومستقبلهم؟.
ليس من الضروري أن تحدد الخلفية الفكرية للسلطة مسارها إلى الأبد؛ فتجربة الحكم تفرض أسئلة ومصالح ومسؤوليات قد تدفع إلى مراجعة الأفكار السابقة. لكن كيف يمكن التمييز بين مراجعة حقيقية وتكيف مؤقت مع متطلبات المرحلة؟ أليس المعيار الأوضح هو ما يتغير في القوانين والمؤسسات، لا ما يقال في الخطابات؟.
يوفر الإعلان الدستوري آذار 2025 مثالاً على هذه المعضلة. فقد تضمن ضمانات للحقوق والحريات، لكنه منح الرئيس صلاحيات واسعة، من بينها تعيين أعضاء المحكمة الدستورية العليا السبعة، وتعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب، فيما يُختار الثلثان الآخران عبر آلية تشرف عليها لجنة يعين الرئيس أعضاءها. أن تركّز هذه الصلاحيات يثير مخاوف بشأن استقلال القضاء والرقابة على السلطة التنفيذية.
وفي تموز 2026، عقد مجلس الشعب الجديد جلسته الأولى، في خطوة تعيد مؤسسة تشريعية إلى المشهد بعد مرحلة من الفراغ. لكن هل يكفي وجود مجلس تشريعي للقول إن التوازن بين السلطات بدأ يتحقق؟ إن آلية تشكيله، ومحدودية المشاركة في اختيار أعضائه، واستمرار صلاحيات واسعة للرئاسة، تترك أسئلة مفتوحة حول قدرته على مراقبة الحكومة وتمثيل التنوع السياسي والاجتماعي. كما أن غياب السويداء عن عملية الاختيار الانتخابي، والانتقادات المتعلقة بضعف تمثيل بعض المكونات، يكشفان أن الشمول الوطني لا يتحقق بمجرد تشكيل مؤسسة تحمل اسمه.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة عند النظر إلى العلاقة مع الكرد وبقية المكونات القومية والدينية. فهل يمكن بناء دولة مستقرة من دون ضمان مشاركتهم الفعلية في صنع القرار؟ وهل يؤدي توسيع سلطة المركز بالضرورة إلى وحدة البلاد، أم أن الوحدة الأكثر رسوخاً تنشأ من شعور المواطنين بأن حقوقهم مصانة وأنهم شركاء في الدولة؟.
تدفع عوامل داخلية وخارجية باتجاه الانفتاح السياسي. فالسوريون يحتاجون إلى ضمانات تحميهم من التمييز والإقصاء، فيما تتطلب إعادة الإعمار وإنعاش الاقتصاد مؤسسات موثوقة وقوانين واضحة. كما أن استعادة العلاقات الدولية وجذب الاستثمارات يرتبطان بوجود بيئة مستقرة يمكن التنبؤ بقواعدها.
لكن هل تقود هذه الضرورات إلى تغيير طبيعة الحكم، أم إلى تحسين أدائه وصورته من دون المساس بتركيز السلطة؟ فقد تنجح السلطة في توسيع علاقاتها الخارجية وتحقيق تقدم اقتصادي، من دون أن تفتح المجال أمام معارضة مستقلة أو تضمن حرية التنظيم السياسي والمساءلة. ولذلك يبقى الاختبار الأهم هو استعدادها لقبول القيود على صلاحياتها، لا قدرتها على إدارة المرحلة فحسب.
لا تقع مسؤولية التحول على السلطة وحدها. فالقوى المطالبة بالديمقراطية مطالبة أيضاً بتجاوز خلافاتها، وصياغة مشروع وطني واضح يحدد شكل الدولة وضمانات الحقوق وآليات تداول السلطة والعلاقة بين المركز والمناطق. كما أن بناء أحزاب فاعلة ومجتمع مدني مستقل وإعلام حر ليس تفصيلاً ثانوياً، بل شرطاً لتحويل الديمقراطية من نصوص دستورية إلى ممارسة يومية.
لا يمكن الجزم بأن العهد الجديد يتجه حتماً نحو مراجعة أيديولوجية عميقة، كما لا يصح افتراض أن هذا التحول مستحيل. لكن السؤال الذي سيحسم المسار هو: هل تقبل السلطة أن تكون إحدى مؤسسات الدولة، لا صاحبة الحق الحصري في تعريفها وتمثيل المجتمع؟.
عندها فقط يمكن الحديث عن انتقال يتجاوز تغيير الحاكم إلى تأسيس دولة جديدة، تستمد شرعيتها من المواطنة والقانون والمشاركة. أما إذا بقيت المؤسسات قائمة فيما تتركز القرارات الأساسية في يد واحدة، فقد تتغير أشكال الحكم من دون أن تتغير بنيته. فهل يغتنم العهد الجديد فرصة تأسيس دولة لجميع السوريين، أم أن ضرورات المرحلة ستنتهي إلى إعادة إنتاج تركّز السلطة بصيغة مختلفة؟.