الدور الاقتصادي للأحزاب السياسية في خلق بيئة اقتصادية متطورة وتنافسية

0 15

إن وجود أحزاب سياسية فاعلة ومسؤولة يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للانتعاش الاقتصادي من خلال عدة قنوات متشابكة، تبدأ بدور الأحزاب كوسيط نزيه بين المجتمع والدولة، حيث تنقل مطالب الفئات الاقتصادية المهمشة إلى مراكز القرار وتضغط من أجل سياسات عادلة تراعي التوازن بين مختلف شرائح المجتمع، ولا تقتصر على خدمة النخب النافذة. كما أن التعددية الحزبية تخلق بيئة من التنافس البناء على تقديم الحلول الاقتصادية الأكثر فعالية، مما يرفع جودة السياسات العامة ويدفع الأحزاب إلى تطوير برامجها باستمرار كي تبقى قادرة على كسب ثقة الناخبين.

إطار متكامل لدور الأحزاب في إعادة البناء عبر اقتصاد المرونة:

يقوم مفهوم اقتصاد المرونة في السياق السوري على ثلاث ركائز أساسية يمكن للأحزاب السياسية أن تكون محركاً فاعلاً لها، وليس مجرد متفرج أو مستفيد من نتائجها.

الركيزة الأولى

في التحول الجذري من اقتصاد الريع والاحتكار الذي هيمن على سورية لعقود، إلى اقتصاد الإنتاج والتنافسية العادلة. فالاقتصاد السوري القديم قام على تحالف وثيق بين السلطة السياسية ونخب اقتصادية احتكارية سيطرت على مفاصل الاقتصاد الحيوية، مما أنتج نظاماً مشوهاً يفتقر إلى الديناميكية ويقتل روح المبادرة ويحبط الطاقات الإبداعية للشباب. وهنا يمكن للأحزاب الجديدة أن تدفع نحو تفكيك هذه البنية المريضة من خلال المطالبة بقوانين تحمي المنافسة وتكسر الاحتكار، وتدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تشكل العمود الفقري لأي اقتصاد حيوي، وتشجع ثقافة ريادة الأعمال التي تتيح للشباب فرصة بناء مستقبلهم بأنفسهم. لكن هذا الدور يتطلب من الأحزاب نفسها أن تكون نموذجاً في الشفافية والنزاهة، وأن تفصح عن مصادر تمويلها بوضوح، وألا تتحول إلى أدوات جديدة في يد نخب احتكارية تسعى لاستغلال المرحلة الانتقالية لتعزيز مكاسبها الخاصة على حساب المصلحة الوطنية.

الركيزة الثانية

على بناء عقد اجتماعي اقتصادي جديد يقوم على الشراكة المتوازنة بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني، فالدولة السورية المنهكة لا تستطيع وحدها تحمل أعباء إعادة الإعمار التي تقدر بمئات المليارات من الدولارات، كما أنه لا يمكن ترك كل شيء للقطاع الخاص دون رقابة أو إطار عادل يحمي حقوق العمال والمستهلكين والفئات الأكثر هشاشة. ومن هنا تأتي أهمية الدور الذي يمكن للأحزاب أن تلعبه في صياغة رؤية اقتصادية متكاملة تقوم على التكامل بين دور الدولة التنظيمي والرقابي الذي يضمن العدالة ويحمي المصلحة العامة، ودور القطاع الخاص الديناميكي في خلق فرص العمل وتوليد الثروة ودفع عجلة الإنتاج، ودور المجتمع المدني في تعزيز التكافل الاجتماعي وحماية الفئات الهشة ومكافحة الفساد. وهذا التصور الثلاثي يشكل جوهر اقتصاد المرونة، لأنه يستثمر الموارد المحدودة بأعلى كفاءة ممكنة ويوزع الأدوار وفق قدرات كل طرف، مما يضمن استدامة التعافي حتى في ظل الظروف الصعبة.

الركيزة الثالثة

والأكثر تحدياً، فتتمثل في إعادة بناء الثقة التي تهشمت وتآكلت على مدى سنوات الحرب والعقوبات والانهيار الاقتصادي. فقد خلفت هذه السنوات إرثاً ثقيلاً من انعدام الثقة بين المواطن والدولة، وبين الفئات الاجتماعية المختلفة، وبين المستثمرين والاقتصاد الوطني، وبين السوريين في الداخل والشتات. وهنا يبرز الدور الفريد الذي يمكن للأحزاب السياسية أن تضطلع به، فبما تمتلكه من قواعد شعبية وامتداد تنظيمي في مختلف المناطق، يمكنها أن تؤدي دوراً محورياً في استعادة الثقة المفقودة من خلال ممارسة سياسية نزيهة تتسم بالشفافية والصدق، واحترام نتائج الانتخابات وقبول الرأي الآخر مهما كان مختلفاً، وتقديم خطاب وطني جامع يتجاوز الانقسامات الطائفية والمناطقية ويركز على ما يجمع السوريين لا ما يفرقهم. كما أن الأحزاب التي تلتزم بالنزاهة ومكافحة الفساد تكون قدوة حسنة للمجتمع، وتؤسس لمناخ أخلاقي جديد يشجع الجميع على الالتزام بالقانون واحترام المؤسسات.

لا يمكننا بحال من الأحوال إغفال أثر البيئة الاجتماعية والاقتصادية على طبيعة الأحزاب وبرامجها، فالمجتمع الذي أنهكه الفقر والحرب يحمل في داخله خطرين جسيمين يهددان المسار الانتقالي بأكمله:

الأول، هو ظهور أحزاب شعبوية تقدم وعوداً اقتصادية غير واقعية، وتستغل آلام الناس وآمالهم لكسب أصواتهم دون أن تمتلك القدرة على الوفاء بوعودها، مما يؤدي إلى خيبة أمل جماعية قد تتحول إلى غضب يهدد الاستقرار.

والثاني، وهو الأخطر، أن بعض القوى قد تستغل الفقر والبطالة والمعاناة لتعبئة الجماهير على أسس طائفية أو مناطقية، ما يعمق الانقسامات الاجتماعية ويهدد وحدة البلاد في وقت هي بأمس الحاجة إلى التماسك الوطني.

إن نجاح الانتقال السياسي في سورية مرهون بنجاح الانتقال الاقتصادي. فالديمقراطية لا تزدهر في مجتمع يعاني الفقر المدقع، كما أن الانتعاش الاقتصادي لا يستدام في غياب مؤسسات سياسية تمثيلية وتعددية مسؤولة. وإن اقتصاد المرونة، الذي يوازن بين متطلبات الاستقرار ومتطلبات الإصلاح، ويمتزج فيه السياسي بالاقتصادي في إطار وطني جامع، هو الطريق الأقصر نحو سورية الجديدة التي تحقق طموحات أبنائها في الحرية والعدالة والعيش الكريم.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني