
اقتصاد المواطنة: فرصة سوريا بعد الثورة
منذ نشوء الدولة السورية الحديثة، لم تكن المشكلة دائماً في ندرة الموارد، بل في الطريقة التي وُزِّعت بها فرص التنمية والثروة بين المناطق والفئات الاجتماعية. فامتلكت سوريا الزراعة والنفط والغاز والموقع التجاري والموارد البشرية، لكنها لم تنجح في بناء اقتصاد يجعل المواطن، أينما كان، شريكاً متساوياً في هذه الثروة.
ومنذ ستينيات القرن الماضي، أدّى توسّع الاقتصاد المركزي وسيطرة الدولة على قطاعات واسعة إلى تعزيز دور المركز في توزيع الموارد والفرص. وبعد عام 2000 بدأت سوريا تتجه نحو اقتصاد أكثر انفتاحاً، لكن الانتقال لم يرافقه بناء مؤسسات قوية للمنافسة والشفافية، فظهرت شبكات من المصالح والاحتكار، وأصبحت فرص الاستثمار والعمل في كثير من الأحيان مرتبطة بالقرب من مراكز النفوذ أكثر من ارتباطها بالكفاءة والإنتاج.
وكانت النتيجة تفاوتاً واضحاً بين المناطق. فالمحافظات الشرقية، على سبيل المثال، امتلكت موارد نفطية وزراعية مهمة، لكنها لم تحصل على نصيب متناسب من البنية التحتية والاستثمارات والصناعات التحويلية. وبذلك أصبحت بعض المناطق تنتج الثروة بينما تستفيد مناطق أخرى بدرجة أكبر من القيمة التي تنتجها تلك الثروة.
لكن ثورة 2011 كشفت عمق هذه الاختلالات بصورة غير مسبوقة. ومع امتداد الثورة وتحوّل البلاد إلى حرب واسعة، لم يتعرّض الاقتصاد السوري فقط لتراجع النمو، بل تعرّضت بنيته الأساسية للتدمير. فقد انكمش الناتج المحلي الحقيقي بأكثر من نصف مستواه السابق للحرب، وارتفعت معدلات الفقر إلى مستويات كارثية. ويقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن نحو 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، فيما بلغت كلفة السنوات الضائعة من الناتج الاقتصادي مئات مليارات الدولارات.
ثم جاءت سنوات الحرب الطويلة لتدمّر المصانع والطرق وشبكات الكهرباء والمياه والمدارس والمستشفيات، وتفكّك سلاسل الإنتاج والتجارة، وتدفع ملايين السوريين إلى النزوح والهجرة. ولم يكن الدمار متساوياً بين المناطق، بل أصاب المناطق الأكثر هشاشة في كثير من الأحيان بصورة أشد، ما جعل إعادة الإعمار قضية عدالة اقتصادية بقدر ما هي قضية عمرانية.
وتكشف تقديرات البنك الدولي المنشورة عام 2025 حجم التحدي؛ فقد قُدِّرت الأضرار المادية المباشرة بنحو 108 مليارات دولار، بينما بلغت كلفة إعادة الإعمار نحو 216 مليار دولار، أي ما يقارب عشرة أضعاف الناتج المحلي السوري المقدَّر لعام 2024. وهذه الأرقام تجعل إعادة الإعمار أكبر من مجرد مشروع للبناء؛ إنها فرصة لإعادة تأسيس الاقتصاد السوري على قواعد مختلفة.
وهنا تبرز فكرة اقتصاد المواطنة. والمقصود بها اقتصاد لا تحدِّد فيه منطقة المواطن أو علاقاته السياسية أو قربه من السلطة فرصه في العمل والاستثمار والتمويل، وإنما القانون والكفاءة والقدرة على الإنتاج. فالمواطنة الاقتصادية تعني أن يحصل المواطن في دير الزور أو الحسكة أو درعا أو حلب أو دمشق على حق متساوٍ في التنمية والخدمات والفرص.
ولذلك يجب ألا تذهب أموال إعادة الإعمار إلى المراكز الكبرى وحدها. ينبغي أن تكون المناطق التي عانت تاريخياً من التهميش، والتي تعرّضت لدمار واسع خلال الثورة والحرب، في مقدمة أولويات الاستثمار. فالشرق السوري، بما يمتلكه من النفط والغاز والزراعة، يمكن أن يتحوّل من منطقة لإنتاج الموارد الخام إلى مركز للصناعات التحويلية والطاقة والخدمات اللوجستية. والشيء نفسه ينطبق على المناطق الزراعية والصناعية في مختلف أنحاء البلاد.
كما تحتاج سوريا إلى لامركزية اقتصادية حقيقية، تمنح الإدارات المحلية قدرة أكبر على تحديد أولويات التنمية، مع بقاء السياسة النقدية والمالية العامة والسياسات الاستراتيجية بيد الدولة المركزية. ويجب أن ترافق ذلك إصلاحات ضريبية ومصرفية، وتمويل حقيقي للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وقوانين تمنع الاحتكار وتضمن المنافسة.
والأهم أن الثروات الوطنية، من النفط والغاز إلى الفوسفات، يجب أن تُعامل باعتبارها ملكاً لجميع السوريين، وأن تخضع لإدارة شفافة ورقابة مستقلة، بحيث تتحوّل عائداتها إلى مدارس ومستشفيات وطرق وطاقة وفرص عمل، لا إلى أدوات لإعادة إنتاج شبكات النفوذ.
لقد دمّرت الثورة والحرب جزءاً كبيراً من الاقتصاد السوري، لكنها فتحت أيضاً أمام سوريا فرصة نادرة لإعادة التفكير في نموذجها الاقتصادي. فلا معنى لإعادة بناء الاقتصاد بالقواعد القديمة، ولا يمكن أن تنجح دولة جديدة باقتصاد يعيد إنتاج التهميش نفسه.
سوريا تحتاج إلى عقد اقتصادي جديد، يكون فيه المواطن شريكاً في الثروة لا متلقياً لها، وتكون فيه التنمية حقاً لا امتيازاً، وإعادة الإعمار مشروعاً لبناء الإنسان والدولة قبل أن تكون مشروعاً لإعادة بناء الحجر.
فالمستقبل لن يُقاس فقط بعدد المصانع والطرق التي ستُبنى، وإنما بعدد السوريين الذين سيشعرون أن بلدهم يمنحهم فرصة عادلة للحياة والعمل والنجاح. وهنا تحديداً يصبح اقتصاد المواطنة أحد أهم شروط نجاح سوريا الجديدة.