
استغلوا اسم عبد الباسط الساروت وجلبوا له الإساءة.. دولة القانون هي الحل
الشتائم المتبادلة من الظواهر السيئة التي يمارسها جزء من جمهور أي ناد سوري، أذكر أنني حضرتُ ذات مرة مباراة هامة بين ناديين في ملعب العباسيين بدمشق، وصدمتُ بالعنف هناك. العنف لم يكن لفظياً فحسب، بل قد قام عددٌ من المشجعين برمي الأشياء “معظمها زجاجات عصير وعلب مياه بلاستيكية” على الفرقة الموسيقية المرافقة للنادي الضيف التي تتجول عادة وهي تعزف وتردد التحيات للجميع.
ثم استمر الأمر إلى درجة أن هناك خطورة في حال حصل لاعب على رمية تماس من جانب جمهور النادي المناوئ، حيث يتم إمطاره بالأشياء من قبل بعض الرعاع.
كانت قمة الحقارة يومئذٍ، عندما أصيب لاعب أثناء المبارة في قدمه، بالقرب من نطاق جمهور مشجعي النادي الآخر. على الرغم من إصابته وآلامه كان بعض الرعاع يجتهدون في محاولة إصابته بالزجاجات وبرمي أي شيء في متناولهم عليه، ثم جاء المُسعفان وقاما بعدة مناورات كي لا تصيبهم الزجاجات المرمية باتجاههما، قبل أن يتمكنا من الوصول إلى اللاعب المصاب وسحبه وتقديم الرعاية الطبية له.
كانت هذه المباراة قبل الثورة السورية، وكانت أول وآخر مرة أدخل فيها إلى مدرج ملعب.
ماذا حدث مؤخراً حتى تم تشويه صورة الحضور من جمهور نادي الوحدة؟
عندما دخل فريق نادي الوحدة إلى الملعب تم شتمه من قبل عدد من الرعاع الشتّامين كالعادة، وتمت تسمية نجم بعينه من الفريق ونعته بالشبيح والإمعان في شتمه.
نحن السوريين معتادون على الرعاع الشتّامين كجزء من جمهور كل الأندية منذ فجر تشكل الأندية في سوريا.
استطاع هؤلاء الرعاع التأثير بالقسم الأكبر من جمهور فريق النادي المنافس للوحدة ليشاركوهم في شتم ذلك النجم.
ثم امتدح جمهور ذلك النادي الشهيد الرمز عبد الباسط الساروت.
فَهِمَ جزء من جمهور نادي الوحدة المسألة على أنها محاولة للتأثير على الحالة النفسية والأداء لفريقهم وأحد أبرز نجومه، وأنها مزاودة عليهم بشكل أو بآخر. ولعل مشاعر الصدمة والخذلان الناتجة عن عدم تغير شيء في الوضع المعيشي للمواطن، تفاعل في أدمغة بعض مشجعي فريق الوحدة فاندفعوا في رد فعل على المزاودين، وجاء مع الأسف الأمر على هيئة إساءة للشهيد الرمز عبد الباسط الساروت.
لكن الجهل بسيرة ومُثل الرموز الثورية مضافاً إليه التعصب الكروي أدى إلى إقحام اسم عبد الباسط الساروت في الأمر.
أنا شخصياً لست أفهم لماذا لا يُعبّر من لديه موقف من أي نجم سواء رياضي أو مسرحي أو مطرب… إلخ، بأسلوب حضاري عبر مقاطعة المباريات أو المسرحيات أو الحفلات التي يُشارك فيها ذلك النجم.
لماذا علينا أن نذهب إلى هناك ونشتم بأقذع الألفاظ!
لماذا لا نؤمن بدولة القانون وبالقضاء إن كان نجمٌ هنا وآخر هناك (شبيح) وفق ما نزعم؟
ولماذا لو دخلوا مجلساً لمسؤول ووجدوا عنده حمشو أو فادي صقر أو ضابط شبيح ومجرم حقيقي، يصمتون؟!
أخذ مشجعو ذلك النادي بعد قيام جزء منهم بالشتم وكيل الاتهامات، يمتدحون الساروت.
في هذا الجو من استغلال اسم الساروت لتحقير “الآخر والمزاودة عليه”. قام أحد الرعاع من الطرف الآخر بشتم الساروت، وانضم إليه بعض مشجعي نادي الوحدة.
هناك كاميرات ويجب كي لا تتكرر هذه الحادثة تطبيق القانون الذي يحظر وصف إنسان بأنه شبيح، وذاك عبر اعتقال من فعل ذلك بحق نجم فريق الوحدة ومحاسبة من شتم الساروت بالحبس التكديري على الأقل. أو بتعميم يحظر دخول هؤلاء الشتامين إلى الملاعب.
ومع أن جمهور نادي الوحدة أطلق هتاف “يرحم روحك يا ساروت” للتغطية على القلة الذين بادلوا الشتائم بالشتائم، وانتهى الأمر بهتاف عابر للأندية يُحيي روح الساروت رحمه الله، إلا أن ذلك لم يرق للفتنجية وعشاق الترند، فأججوا معركة حول الأمر في مواقع التواصل الاجتماعي وصارت هناك صفحات شعبية ورسمية مرتبطة بأسماء بعض الأندية السورية تنضم إلى حملة إدانة لجمهور نادي الوحدة وتعاطف مع جمهور النادي الآخر.
كيف سينظر إلينا الطامعون من الغرب بعد هذا وكل الصدامات المتنوعة السابقة؟
ألن يروا في مجتمعنا هشاشة حيث يُفرِّقنا أي اختلاف؟ هل يريد الساروت رحمه الله أن نعزز التقييم السلبي لنا من قبل الطامعين فتزداد جرأتهم علينا ويرون تقسيم سوريا سهل المنال؟
ومن جهة أخرى أليس واجب أي دولة أن تدرس وتفكك الظواهر السلبية التي تفرزها مرحلة معينة واحتمالات تواشجها مع ظواهر سلبية قديمة، كظاهرتي المزاودات والإساءات المتبادلة بين مشجعي الأندية التي تناولناها في هذا المقال على سبيل المثال.
إعادة قراءة لما حدث:
المسألة ليست معقدة، أتذكر وأنا طفل صغير استطعتُ استيعاب فكرة حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي يقول:
قال: «إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «يَسُبُّ الرَّجُلَ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ» (متفق عليه).
طالما أن أي مشجع يعرف أن هناك مباراة في الشتائم تحصل خلال كل مبارة لناديين في سوريا، لماذا يشتم هذا المشجع أو ذاك، نجم الفريق الآخر ثم يُقحم اسم الشهيد عبد الباسط الساروت في المسألة؟