إعادة إنتاج الفشل: حين تتحول الأزمات إلى نظام دائم

0 17

في ربيع عام 2026، وبين هدنةٍ وُصفت بالهشّة بين واشنطن وطهران، كانت المنطقة لا تزال تلتقط أنفاسها بعد حربٍ استمرت 39 يوماً، خلّفت خسائر بشرية واقتصادية يصعب حصرها بدقة. تزامن ذلك مع جولات تفاوضية متعثرة، تعكس مشهداً مركباً: صراع مفتوح، وسلام مؤجل، وعقول سياسية عاجزة عن كسر الحلقة المفرغة. فهل نحن أمام لحظة تحول، أم مجرد إعادة إنتاج لأزمات قديمة بأدوات جديدة؟.

لفهم هذا المشهد، لابدّ من التوقف عند طبيعة النظام الإيراني، الذي يقدّم نفسه نموذجاً لسلطة تُعيد تعريف “النصر” باعتباره مجرد البقاء في الحكم. في هذا الإطار، لا تعني الأرقام شيئاً: آلاف الضحايا، دمار البنى التحتية، وتراجع اقتصادي قد يمتد لعقود. فالمفاوضات، التي يُفترض أن تكون وسيلة للحل، تتحول إلى أداة للمماطلة وكسب الوقت، في مواجهة طرف دولي يسعى لنتائج سريعة. هذا التباين في منطق التفاوض يفسر جزئياً حالة الجمود التي تطبع العلاقات الدولية مع طهران.

في المقابل، برزت دول الخليج العربي خلال تلك الحرب بوصفها الطرف الأكثر اتزاناً. فعلى الرغم من تعرضها لهجمات مباشرة، اختارت عدم الانجرار إلى مواجهة شاملة، معتمدة على قدرات دفاعية متطورة وتماسك داخلي واضح. هذا السلوك لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تراكم استراتيجيات قائمة على التنمية والاستقرار. وتشير المعطيات إلى أن هذه الدول استطاعت خلال السنوات الأخيرة تحقيق معدلات نمو لافتة، إلى جانب استثمارات ضخمة في التكنولوجيا والبنية التحتية، ما جعلها نموذجاً مختلفاً في بيئة إقليمية مضطربة.

غير أن الأزمة لا تقف عند حدود الصراع العسكري، بل تمتد إلى طريقة تفكيرنا السياسي نفسها. فمنذ غزو العراق للكويت عام 1990، ونحن نعيد إنتاج نفس المعادلة المريحة: “إما معنا أو ضدنا”، وكأن العالم لا يحتمل رأياً ثالثاً أو موقفاً مستقلاً. ومع ظهور وسائل التواصل، لم تتراجع هذه الذهنية، بل حصلت على مكبّر صوت، فتحولت القضايا المعقدة إلى شعارات سريعة.

في المشهد، أن نرى المثقفين السوريين والعرب، من يساريين وإسلاميين وأصحاب أيديولوجيات صلبة، وقعوا في الفخ ذاته. فترى من يبرر الوقوف مع نظام الملالي بحجة “مقاومة اسرائيل”، وكأن العداء لإسرائيل يمنح صك براءة مفتوحاً. وآخرين يتحدثون عن “محور مقاوم”، متناسين بشيء من المرونة الانتقائية ما فعله هذا المحورفي سوريا من دعم الاستبداد وتخريب بنية الدولة في بلدان عربية أخرى. هكذا بدل أن يكون المثقف صوتاً ناقداً، يتحول أحياناً إلى محامٍ بارع يدافع عن قضايا خاسرة.

وتزداد الصورة تعقيداً مع بروز ازدواجية في مواقف بعض التيارات السياسية، التي ترفع شعارات الحرية والديمقراطية، لكنها تدعم أنظمة استبدادية إذا تقاطعت مع مصالحها الأيديولوجية. هذا التناقض لا يضعف فقط مصداقية هذه التيارات، بل يعمّق حالة الارتباك في الوعي الجمعي.

في النهاية، يبدو أن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في الصراعات، بل في العجز عن قراءتها بشكل نقدي. فكيف يمكن لمنطقة عاشت كل هذه التحولات، منذ 1979 وحتى 2026، أن تظل أسيرة نفس الأنماط الفكرية؟ وهل يمكن بناء مستقبل مختلف دون مراجعة جذرية للخطاب السياسي والثقافي؟ أم أننا محكومون بإعادة تدوير الأزمات نفسها، بأسماء وتواريخ جديدة؟.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني