إسرائيل في الجنوب السوري.. كيف تحمي دمشق أراضيها وتحافظ على سيادتها دون الوقوع في فخ التصعيد؟

0 23

لم تعد التوغلات الإسرائيلية في جنوب سوريا مجرد سلسلة من الحوادث الحدودية التي يمكن احتواؤها ببيانات الاعتراض والاتصالات الدبلوماسية؛ فالمسألة الأعمق تتعلق بما إذا كانت هذه التحركات تؤسس تدريجياً لواقع أمني جديد يحدّ من سيادة الدولة السورية، ويمنح إسرائيل قدرة مستدامة على التدخل داخل الأراضي السورية، وفي دولة خارجة من حرب طويلة، وتسعى إلى إعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية والاقتصادية، لا يُقاس التحدي بعدد الخروقات وحده، بل بقدرة الدولة على منع تحولها إلى قواعد غير معلنة تحكم المجال الحدودي وتقيّد حركة السكان والسلطة معاً.

وتوفر الوقائع الموثقة أساساً جدياً لهذا القلق، فقد وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان ما لا يقل عن 453 عملية توغل بري إسرائيلي بين 8 ديسمبر 2024 و6 أكتوبر 2026، إضافة إلى 162 حالة اعتقال تعسفي و69 وفاة ضمن سياقات مختلفة، مؤكدة أن أرقامها تمثل حداً أدنى وفق منهجية توثيقها، كما أفاد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان برصد نحو 280 حادثة توغل مسلح خلال سبتمبر 2026 وحده، استناداً إلى الرصد مفتوح المصدر، مع تنبيهه إلى استمرار الاعتقالات والقيود على حركة المدنيين وتضرر مصادر رزقهم، ولا يجوز جمع هذه الأرقام أو مقارنتها مباشرةً دون مراعاة اختلاف الفترات الزمنية ومنهجيات الرصد، لكنها تشير مجتمعة إلى نمط متكرر يتجاوز الحوادث المنعزلة.

تكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا النمط في أثره التراكمي، فالتوغّل المحدود قد يكون قابلاً للاحتواء، لكن تكراره، مصحوباً بالدوريات والاعتقالات والتفتيش وتقييد الحركة، قد ينقل المنطقة من وضع أمني مؤقت إلى واقع تتصرف فيه قوة خارجية باعتبارها صاحبة المبادرة الميدانية، وإذا اعتاد السكان هذا الواقع، واضطرت المؤسسات السورية إلى التعامل معه بوصفه أمراً دائماً، فقد تتراجع السيادة عملياً حتى من دون إعلان ضمّ أو تغيير رسمي للحدود، وهذه ليست نتيجة حتمية، بل خطر ينبغي قياسه عبر مؤشرات محددة: استمرار الوجود العسكري، واتساع نطاق التحركات، ومدة السيطرة على المواقع، وطبيعة القيود المفروضة على المدنيين، ومدى قدرة مؤسسات الدولة السورية على العودة إلى المناطق المتأثرة.

ومن الضروري، في المقابل، عدم اختزال الحسابات الإسرائيلية في تفسير واحد، فقد تستند إسرائيل إلى اعتبارات أمنية معلنة، لكن ذلك لا يحسم مشروعية إجراءاتها ولا يبرر فرض ترتيبات عسكرية أحادية داخل الأراضي السورية، وفي الوقت نفسه، لا يكفي افتراض أنها تسعى إلى استدراج دمشق نحو مواجهة مفتوحة من دون أدلة مباشرة، المطلوب هو اختبار الفرضيات من خلال السلوك الميداني المتكرر، والتصريحات الرسمية، ومواقع الانتشار، والتغيرات التي تطرأ على حركة السكان، فالتقدير الاستراتيجي الرصين لا يبدأ من افتراض النيات، بل من تحديد السلوك، وقياس أثره، ثم استنتاج أهدافه المحتملة بدرجات متفاوتة من الثقة.

ولا يمكن فهم توقيت التوغلات الإسرائيلية بمعزل عن تداخل الحسابات الداخلية مع الأهداف الأمنية والاستراتيجية، فربما تكون سياسة نتنياهو هي لفت انتباه المستوطنين الإسرائيليين للحدود،  فمع دخول إسرائيل يوم الانتخابات، يبرز احتمال أن يسعى بنيامين نتنياهو إلى إبقاء الاعتبارات الأمنية في صدارة اهتمام الناخبين، ولا سيما في ظل استمرار الجدل الداخلي حول إخفاقات 7 أكتوبر 2023 وتداعيات الحروب اللاحقة، وقد تمنح المواجهات الخارجية أي قيادة سياسية فرصة لإعادة توجيه النقاش العام نحو التهديدات الأمنية، فربما يكون ذلك أحد الدوافع المباشرة للتوغلات الحالية، وقد تعكس التحركات الإسرائيلية قلقاً من تشكّل سلطة سورية جديدة ذات خلفية جهادية سابقة، ومن احتمال تطور مؤسساتها وقدراتها العسكرية مستقبلاً؛ أي التعامل مع إمكانات الدولة السورية القادمة، لا مع قدراتها الراهنة فحسب، وقد تتقاطع هذه الحسابات مع رغبة في تكريس نطاق أمني أوسع أو الاحتفاظ بحرية الحركة داخل الأراضي السورية.

ومن هنا تبرز فرضية «الطُّعم الصغير»: أن تؤدي التوغلات والاستفزازات إلى دفع جهة سورية غير منضبطة إلى إطلاق النار على القوات الإسرائيلية، فتستخدم إسرائيل الحادثة لتبرير تصعيد أوسع، أو توسيع انتشارها، أو إحراج واشنطن بسبب دعمها مسار الانفتاح على دمشق، وقد يشمل هذا السيناريو استغلال سقوط قتلى إسرائيليين لتصوير السلطة السورية باعتبارها غير قادرة على ضبط قواتها أو شريكاً غير موثوق، بما يضغط على المسار الأمريكي الداعم لاستقرار سوريا.

غير أن الانتقال من هذا الاحتمال إلى القول إن نتنياهو يتعمد استدراج مقتل جندي أو يخطط مسبقاً لاجتياح قرى سورية يظل استنتاجاً؛ كما أن أي حادثة إطلاق نار لا تمنح إسرائيل تلقائياً مسوغاً قانونياً لاجتياح الأراضي السورية أو تهجير سكانها. لذلك، لا ينبغي لدمشق أن تتعامل مع فرضية الاستدراج باعتبارها حقيقة مؤكدة، بل باعتبارها خطراً يستوجب انضباط القرار الميداني، ومنع المبادرات الفردية، والتحقق من الوقائع قبل الرد، مع الاستعداد الدبلوماسي والقانوني لأي محاولة لاستثمار حادثة محدودة لتوسيع العمليات، وإذا تراجعت التوغلات بعد الانتخابات، فسيكون ذلك مؤشراً يستحق الدراسة، لكنه لن يكفي وحده لإثبات أن الدافع الانتخابي كان العامل الحاسم؛ إذ يجب مقارنته بتغيرات الانتشار العسكري والتصريحات الرسمية ومسار التفاوض.

وتمنح المرجعية القانونية والدولية دمشق أساساً للتحرك، إذ يشكل اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974 إطاراً مهماً في التعامل مع المنطقة الفاصلة، وقد أشار مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى أن وجود القوات الإسرائيلية وأنشطتها في المنطقة وما وراءها يشكلان انتهاكاً لترتيبات فضّ الاشتباك، لكن القيمة السياسية لهذا الأساس تتوقف على تحويله من حجة قانونية إلى مسار ضغط مستمر: ملف موحد للوقائع، وخرائط مؤرخة لمواقع التوغلات، وسجلات دقيقة للاعتقالات والأضرار، وشهادات محفوظة وفق معايير توثيق قابلة للتحقق، وتقارير دورية تُرفع إلى الأمم المتحدة والدول المعنية.

وهنا ينبغي أن تنتقل السياسة السورية من الاكتفاء بإدانة كل حادثة على حدة إلى بناء ملف سيادي متكامل، ويقتضي ذلك إنشاء آلية مشتركة بين الجهات الدبلوماسية والعسكرية والقانونية والإنسانية، تتولى توحيد البيانات والتحقق منها، وتحدد المطالب السورية بوضوح: وقف التوغلات والاعتقالات غير القانونية، والكشف عن مصير المحتجزين، وحماية المدنيين ومصادر رزقهم، وإزالة القيود غير المشروعة على الحركة، والانسحاب من المواقع التي دخلتها القوات الإسرائيلية بعد سقوط النظام السابق، واحترام اتفاق فضّ الاشتباك، كما ينبغي تحديد مؤشرات يمكن قياس التقدم من خلالها، بدل الاكتفاء بعبارات عامة عن خفض التصعيد أو احترام السيادة.

ولا تستطيع دمشق فرض هذه المطالب بمجرد امتلاكها حجة قانونية، كما لا تستطيع ضمان نتائجها بالاعتماد على وسيط واحد لذلك، فإن المطلوب دبلوماسية متعددة المسارات، توزّع الأدوار وفق مصالح الأطراف وقدراتها: الأمم المتحدة لتثبيت الوقائع ومتابعة ترتيبات فضّ الاشتباك؛ والولايات المتحدة لما تمتلكه من قدرة على التواصل والتأثير في الحسابات الإسرائيلية؛ والدول الأوروبية لاستخدام أدواتها السياسية والقانونية؛ والأطراف العربية والإقليمية للمساندة السياسية وتوفير قنوات اتصال وضمانات محتملة، ولا يعني تعدد المسارات تشتيت الجهد، بل منع احتكار طرف واحد لملف التفاوض، وإبقاء بدائل التحرك متاحة إذا تعثر مسار بعينه.

ويجب ألا تتحول المفاوضات إلى غاية مستقلة عن النتائج، فالتفاهم الذي يوقف التوغلات مؤقتاً، لكنه يترك مواقع عسكرية مستحدثة بلا جدول انسحاب أو آلية تحقق، قد يخفف التوتر الآني ويؤسس في الوقت نفسه لمشكلة أطول أمداً، لذلك ينبغي أن تتضمن أي ترتيبات أمنية حدوداً جغرافية واضحة، وقواعد معلنة للتحرك، وآلية لرصد الخروقات والتحقق منها، وجدولاً زمنياً للمراجعة، وتحديداً لمسؤولية الأطراف عند الإخلال بالتفاهمات، وإذا تعذر الوصول إلى تسوية شاملة، يمكن التفاوض على خطوات جزئية قابلة للتحقق، شرط ألا تُقدَّم بوصفها تسوية نهائية أو قبولاً دائماً بالوضع القائم.

وفي هذا الإطار تحديداً، يتطرق البعض لاتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان فهو حقيقة يكتسب أهمية محتملة بالنسبة إلى سوريا، فقد نص البيان المشترك الصادر في 7 أغسطس 2026 على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً، وأكد تعزيز التعاون الدفاعي المشترك، وفي 31 أغسطس، أعلنت الدول الثلاث خطوات لمأسسة تعاونها، شملت إنشاء أمانة للاتفاق وتعزيز التنسيق الدفاعي والصناعات العسكرية وفي أكتوبر، أفادت تقارير بأن تركيا أحالت الاتفاق إلى البرلمان للمصادقة عليه، فيما أوضح مسؤولون أتراك أن طبيعته دفاعية، وتشير تصريحات تركية منشورة إلى أن انضمام دول أخرى ممكن من حيث المبدأ، لكن شروط العضوية وإجراءاتها تحتاج إلى نقاش مع الدول المعنية والأعضاء المؤسسين.

لكن السؤال السوري لا ينبغي أن يبدأ من الرغبة في الانضمام، بل من تحديد المشكلة التي يُراد للاتفاق أن يحلها، فإذا كان الهدف تعزيز الردع، فيجب معرفة ما إذا كانت العضوية ستضيف قدرة فعلية على منع التوغلات أو تقليصها، أم ستوفر أساساً للتشاور والدعم السياسي من دون تغيير كبير في ميزان القوى الميداني، وإذا كان الهدف إعادة بناء القدرات الدفاعية، فقد تكون برامج التدريب والتعاون الاستخباراتي والدفاع الجوي والصناعات العسكرية ذات قيمة حتى قبل بحث العضوية الكاملة، بحسب ما تسمح به التفاهمات الثنائية والقواعد الناظمة للاتفاق، أما إذا كان الهدف الحصول على ضمانة تلقائية للتدخل عند كل خرق، فإن هذا التصور يحتاج إلى تدقيق؛ إذ لا تكفي صيغة الردع الجماعي وحدها لمعرفة كيفية تعريف الهجوم المسلح، وآليات اتخاذ القرار، ونطاق المساعدة المطلوبة، والقيود الدستورية والسياسية لدى كل دولة.

وهنا تكمن المعضلة الاستراتيجية: إذا انضمت سوريا إلى الاتفاق، فقد يعزز ذلك موقعها الإقليمي ويوسع فرص تعاونها الدفاعي، لكنه قد يرفع أيضاً توقعات الردع لدى الداخل السوري، في وقت لا تزال فيه قدرات الدولة ومؤسساتها قيد إعادة البناء، وإذا واجهت دمشق بعد الانضمام توغلات جديدة ولم تحصل على استجابة تتناسب مع توقعات مواطنيها، فقد تتضرر مصداقية الاتفاق في نظر السوريين؛ أما إذا فُسرت كل حادثة ميدانية على أنها تستوجب رداً عسكرياً جماعياً، فقد تنشأ مخاطر تصعيد لا يملك أي طرف السيطرة الكاملة على مساره، ولا يعني ذلك أن الاتفاق سيقود حتماً إلى الحرب أو أنه عاجز عن الردع، بل يعني أن قيمته بالنسبة إلى سوريا ستتوقف على تفاصيل الالتزامات وآليات تنفيذها، لا على عنوانه السياسي وحده.

لذلك، لا ينبغي اختزال الخيارات السورية في ثنائية الانضمام أو الرفض، الخيار الأول هو السعي إلى العضوية الكاملة، بعد توضيح الالتزامات الدفاعية وحدودها، وآليات التشاور والاستجابة، وشروط الانسحاب، والتعامل مع النزاعات القائمة قبل الانضمام، والخيار الثاني هو بناء تعاون تدريجي مع الدول المؤسسة، في المجالات التي يمكن الاتفاق عليها، مثل التدريب وتبادل المعلومات والتأهيل الفني والدفاع الجوي، من دون افتراض أن هذه الصيغ متاحة تلقائياً أو أنها تمنح ضمانات العضوية، أما الخيار الثالث فهو تأجيل قرار الانضمام مع إبقاء الحوار مفتوحاً، إلى حين اتضاح النصوص والإجراءات العملية، وتقدير أثر الاتفاق على العلاقات السورية مع الأطراف الإقليمية والدولية الأخرى، ولا يمكن اختيار أحد هذه المسارات بصورة مسؤولة قبل الحصول على معلومات رسمية كافية عن شروط العضوية وآليات التنفيذ.

ويقتضي ذلك من دمشق فتح حوار رسمي مع الدول الثلاث لا يقتصر على السؤال عن إمكان الانضمام، بل يشمل سيناريوهات عملية: ما نوع المساعدة الممكنة إذا تعرضت الأراضي السورية لهجوم مسلح؟ كيف تُتخذ القرارات؟ ما الذي يمكن تقديمه من دعم استخباراتي أو دفاعي أو لوجستي؟ وما الحدود التي تفرضها القوانين الوطنية والقدرات المتاحة لكل دولة؟ كما ينبغي التمييز بين الدعم الذي يمكن تقديمه فوراً، والتعاون الذي يحتاج إلى بناء طويل الأمد، والالتزامات التي لا يمكن ضمانها إلا بقرارات سياسية لاحقة، بهذه الطريقة، يصبح الحوار اختباراً لمضمون الشراكة، لا مجرد طلب للانضمام إلى إطار إقليمي جديد، ومع ذلك، لا ينبغي افتراض أن اتفاق مكة يلزم الدول المؤسسة بالتدخل عسكرياً في مواجهة إسرائيل عند كل توغل داخل سوريا؛ فمدى انطباق الالتزامات الدفاعية يتوقف على نص الاتفاق، وتعريف الهجوم المسلح، وآليات اتخاذ القرار، وطبيعة الاستجابة التي تتفق عليها الدول الأعضاء

وفي موازاة ذلك، لا بد من استعادة القدرة السورية على إدارة الحدود بوصفها جزءاً من مشروع بناء الدولة، لا مجرد ملف عسكري، ويشمل ذلك تطوير منظومة القيادة والسيطرة، وتحسين جمع المعلومات والتحقق منها، ورفع جاهزية الوحدات المختصة بحماية الحدود، وتحديد قواعد واضحة لمنع التصرفات الميدانية المنفردة، وربط القرار الأمني بالقرار السياسي، كما يتطلب حماية المجتمعات المحلية من أن تصبح ساحة مفتوحة للتجاذب أو مصدراً لمعلومات غير موثوقة، وإشراك الجهات المدنية والإنسانية في توثيق الأضرار ومعالجة آثارها، فالدولة التي لا تستطيع إنتاج صورة دقيقة لما يحدث على حدودها ستجد صعوبة في التفاوض بشأنه، حتى لو حظيت بتأييد سياسي واسع.

ولا تعني هذه المقاربة استبعاد الدفاع عن الأراضي السورية، بل وضعه ضمن تسلسل محسوب للأدوات، تبدأ الأولوية بتقليل الضرر الواقع على المدنيين، وتثبيت الوقائع، وتفعيل قنوات الاتصال، ورفع كلفة الانتهاكات سياسياً وقانونياً، وفي الوقت نفسه، تُبنى القدرات الدفاعية ضمن مؤسسات منضبطة وخطة طويلة الأجل، بدل ربطها بردود فعل آنية، ويجب تقييم كل خطوة بحسب أثرها الفعلي: هل تقلل مساحة التحرك الإسرائيلي؟ هل تحسن حماية المدنيين؟ هل تعزز قدرة الدولة على فرض قواعد واضحة؟ أم أنها تزيد احتمالات التصعيد من دون أن تغير الواقع الميداني؟ هذه الأسئلة هي ما ينبغي أن يحدد القرار، لا ضغط اللحظة أو الرغبة في إظهار الحزم.

ولكي لا تبقى الاستراتيجية مجموعة مبادئ عامة، تحتاج دمشق إلى مراجعة دورية تستند إلى مؤشرات قابلة للقياس، تشمل عدد التوغلات ومواقعها، ومدة بقاء القوات في المواقع المستحدثة، وحالات الاعتقال والإفراج، والقيود المفروضة على المدنيين، ومدى وصول الجهات الدولية المختصة، ونتائج الاتصالات الدبلوماسية، والتقدم في بناء القدرات السورية، وينبغي أن تُراجع هذه المؤشرات دورياً لتحديد ما إذا كان المسار الدبلوماسي يحقق تقدماً، أو إذا كانت هناك حاجة إلى تعديل الأدوات أو توسيع التحرك الدولي، فنجاح السياسة لا يُقاس بعدد الاجتماعات والبيانات، بل بالتغير الذي تحدثه في الوقائع التي تستهدف معالجتها.

إن التحدي أمام سوريا ليس الاختيار بين السيادة والتحالفات، بل بناء سياسة تجعل التحالفات أداة لتعزيز السيادة لا بديلاً عن مؤسسات الدولة، واتفاق مكة قد يشكل فرصة للتعاون الدفاعي الإقليمي، لكنه غير ملزم بقبول عضوية سوريا، كما أنه لا يصبح ضمانة فعلية إلا بقدر ما توفره شروطه من التزامات واضحة وقدرة على التنفيذ، كذلك فإن الدبلوماسية لا تنجح بمجرد فتح قنوات التفاوض، بل حين تنتج ترتيبات قابلة للتحقق وتمنع تثبيت الوقائع المفروضة بالقوة، وبين هذين المسارين، تبقى الأولوية السورية هي إعادة بناء دولة قادرة على توثيق ما تتعرض له، وتحديد ما تريده، والتفاوض من موقع واضح، وتطوير قدراتها تدريجياً، مع إبقاء خياراتها مفتوحة وتجنب التصعيد الذي لا يخدم أهدافها.

فسيادة سوريا لن تُستعاد بمجرد إعلان التمسك بها، ولا بمجرد الانتساب إلى تحالف إقليمي، وإنما بقدرة الدولة على تحويل القانون إلى ضغط، والدبلوماسية إلى التزامات، وتحشيد التعاون الخارجي إلى قدرات، والقدرة العسكرية إلى أداة منضبطة ضمن استراتيجية وطنية، عندها فقط يصبح أي اتفاق إقليمي جزءاً من مشروع استعادة القرار السوري، لا محاولة لتعويض غياب القدرة الوطنية أو رهن المستقبل بضمانات لم تُختبر بعد.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني