
أمريكا تحارب إيران لتتفرغ للتنين الصيني
لوصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض للمرة الثانية، خاض حملة انتخابية عنوانها «أمريكا أولاً»، وكان يدعو إلى عدم خوض الولايات المتحدة حروباً جديدة، بل سحب قواتها من مناطق التوتر في العالم، وكان يقول إنه لو كان في السلطة لحال دون وقوع الغزو الروسي لأوكرانيا، ومع ذلك، فإنه بمجرد وصوله إلى البيت الأبيض سيعمل على وقف هذه الحرب، مع ترويج الماكينة الدعائية لحملته لسعي الرئيس للحصول على جائزة نوبل للسلام، لإقناع الناخب الأمريكي بصدقية الشعارات الانتخابية لحملة الرئيس.
لكن مع وصول الرئيس إلى البيت الأبيض، ازداد عنف الحرب الروسية الأوكرانية، وأصبحت أكثر جنوناً باستهداف البنى المدنية التحتية، واستمر الدعم الأمريكي لحرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، وما مبادرته بتشكيل مجلس للسلام برئاسته إلا لإنقاذ إسرائيل من مأزقها، لأنها لم تستطع بالحرب تحقيق أهدافها، فجرى البحث عن سبل أخرى لتحقيق تلك الأهداف.
وفي عهده، حدثت حادثة خطيرة تحصل لأول مرة، حيث قصف الطيران الإسرائيلي الدوحة، مع أن قطر حليف رئيسي للولايات المتحدة من خارج الناتو.
وبعد أسابيع من وصوله إلى البيت الأبيض، أُعطي الضوء الأخضر لإسرائيل لقصف المفاعلات النووية الإيرانية، وعلى مدى 12 يوماً، لم تتمكن إسرائيل من تحقيق الأهداف المحددة، فتدخلت المقاتلات الشبحية الأمريكية في عملية «مطرقة منتصف الليل»، وألقت بقنابلها الخارقة للتحصينات على المواقع التي قصفها الطيران الإسرائيلي، لكن كانت التقديرات حينها أنها لم تُدمَّر نهائياً. وحدث كل ذلك بين 13 و25 حزيران 2025.
لم يُنفذ الرئيس ترامب أيّاً من وعوده الانتخابية، بل فتح حرباً لم تكتمل مع إيران، حين اشتركت المقاتلات الأمريكية بنفسها في الحرب، وهو الأمر الذي كان يتجنبه كل الرؤساء الأمريكيين قبله.
وفي إطار الصراع الأمريكي مع الصين، وهو الاستراتيجية التي تقررها الدولة الأمريكية، ويجتهد الحزبان الجمهوري والديمقراطي في تنفيذها، كلٌّ بأسلوبه وطريقته، كان من المسلّمات الأمريكية تأمين منطقة الشرق الأوسط، نظراً إلى موقعها الجيوسياسي المهم، من حيث وقوعها في قلب العالم، والتي تمر منها الكثير من سلاسل التوريد. وتتمثل الأهمية الأخرى في كون المنطقة تحوي الاحتياطيات الكبرى من الطاقة في العالم، ولذلك يتوجب الهيمنة الأمريكية المطلقة عليها واستعمالها ورقةً ضد الصين، ولأن المنطقة عملياً تحت الهيمنة الأمريكية، باستثناء نظام الملالي الإيراني، الذي يمكن اعتباره معطلاً للأهداف الأمريكية ورأس رمح صينياً في المنطقة.
لا يمكن للولايات المتحدة أن تسمح بحصول إيران على سلاح نووي (وهي قاب قوسين أو أدنى من ذلك)، وتلك الشعارات المرفوعة منذ عقدين من الزمن حقيقية وليست مضللة، وليس ذلك خوفاً على إسرائيل التي تملك مئات الرؤوس النووية، بل إن ذلك يكسر احتكار إسرائيل لهذا السلاح، ويطلق سباق تسلح نووي في المنطقة من الصعوبة ضبطه، ولأن امتلاك إيران سلاحاً نووياً يُحصّن نظامها من السقوط، حيث إن هذه الأنظمة الشمولية لا تسقط من الداخل، وقد جرّب الشعب الإيراني ذلك كثيراً، بل لا بد لإسقاط النظام من فاعل خارجي، مع عدم وجود تهديد نووي إيراني يمنعه.
بعد التقييمات الأمريكية لنتائج حرب الـ12 يوماً، يبدو أنها وصلت إلى قناعة بأن تعطيل المفاعلات النووية لا يكفي لتدمير البرنامج النووي، إذ تملك إيران كل المعرفة العلمية والكادر البشري الذي يعيد بناء البرنامج، حتى دون الاستعانة بالخبرات الصينية والكورية الشمالية والروسية، وأنه لتدمير البرنامج النووي تماماً، لا بد من إسقاط النظام الإيراني والإتيان بنظام صديق للولايات المتحدة على الطريقة الفنزويلية، على اعتبار أن النظام الإيراني مجتمعاً هو مادورو، والشعب مغلوب على أمره.
لذلك، وأثناء خديعة ترامب للنظام الإيراني بالمفاوضات للمرة الثانية، تم الانقضاض على المرشد والنخبة الإيرانية الحاكمة (وكان ذلك ممنوعاً في حرب الـ12 يوماً)، وبالتالي كانت التقديرات أن يتم زعزعة النظام من جذوره ودخوله في مرحلة الانهيار، لأن من يقتل كل القادة لا يريد التفاوض، بل الاستسلام له.
لم تنجح تلك الخطة، لكنها لم تُلغَ، وسيتم الوصول إليها بطرق أخرى، منها الحصار الاقتصادي والجوي، وتهيئة الأرضية لتصبح إيران الآن عراق صدام حسين في التسعينيات، على أمل إضعاف النظام وتعفنه، والتصرف وفق معطيات الأرض.
ما يجري الآن وسيجري لاحقاً هو إدارة للحرب، ولن تنتهي هذه الحرب إلا بإسقاط نظام الملالي، الذي أصبح هو وأذرعه تهديداً خطيراً للاقتصاد العالمي.
ومن لم يلتحق بالتوقيت الأمريكي للحرب الأخيرة، سيجد نفسه مضطراً لذلك الآن، بسبب عبثية وعنجهية السياسة الإيرانية التي يقودها الآن ضباط متوسّطو الرتب من الحرس الثوري.
وجارٍ شيطنة نظام الملالي دولياً بعد حادثة قاعدة فيرفورد في بريطانيا، وحادثة طائرة فلاي دبي، بحيث ستُلصق تهمة الإرهاب الدولية بالملالي، وكل من يتعاون معهم سيصبح إرهابياً.
وأمام الولايات المتحدة طريق وحيد، هو النصر الكامل على إيران، وقد وفّى ترامب بوعوده بالسيطرة على فنزويلا وغرينلاند، ولن تتراجع القوة الأمريكية عن السيطرة على إيران ونفط المنطقة كله، في إطار الصراع الكبير والحاسم مع الصين.