أمجد يوسف: كيف كان الإجرام سياسةً للبقاء

0 2٬157

لم يكن أمجد يوسف ورفاقه المجرمون أكثر من أدواتٍ منفّذة لقرارات رؤسائهم الطائفيين، إذ من المعروف عن الأقليات عندما تصل للسلطة همجيتها المفرطة للحفاظ عليها، حيث إن وصلت في غفلة من الزمن كما وصل حافظ الأسد للسلطة، أو أتت عبر طرق سلمية (كالانتخابات مثلاً)، فإنها لن تجد في تلك الوسائل السلمية غير أدواتٍ للوصول للحكم، سرعان ما تنقلب عليها تحت أيّ ذريعة، حيث تتغطّى بالشعارات القومية والعلمانية التي تخدع قطاعات واسعة من الشعوب، كشعارات حزب البعث البائد في سوريا على سبيل المثال، بحيث انحصر الصراع على السلطة في الستينيات في سوريا بمجموعة ضيقة طائفية حسمها الأسد لصالحه، وقتل أو سجن كل رفاقه، ولو أحدهم غيره وصل للسلطة لفعل نفس الشيء…

أرسى حافظ الأسد بحكمه الديكتاتوري الشمولي الأسس العملية لما يمكن أن يُسمّى بالعلوية السياسية المرتبطة بعلوية عسكرية وأمنية، وفي سنوات الابن الوريث ظهرت العلوية الاقتصادية التي جسّدها رامي مخلوف ومن على شاكلته، بحيث أحكمت السلطة العلوية الخناق على كل مفاصل القوة في الدولة والمجتمع.

كانت التقاليد للعلوية الأمنية هي تكميم الأفواه ونشر الرعب في المجتمع وزرع بذور الريبة والشك بين أفراده، وقتل المخالفين بطرق وحشية سواء في السجون بعد تغييبهم أو في مجازر علنية كمجزرة حماة في زمن الأب، والمجازر العديدة في زمن الوريث.

كل ذلك يلقى تأييداً عارماً من سواد الطائفة (مع وجود استثناءات قليلة).

عمل نظام الأسد على تطويع الطائفة كقطيع يتبعه مقابل مكاسب لم يحلموا بها، ورسّخ مفهوم الانتقام لمظلومية تاريخية تعرّضت لها الطائفة، وحان وقت ردّ الانتقام (وفي الحقيقة إن كانت هناك أيّ مظلومية طالت العلويين أو ما كان يُعرف تاريخياً بالنصيريين فهي كانت من فترات حكم سابقة كالمرحلة العثمانية، وتم إسقاط ذلك على السوريين السنة لأن ذلك يشدّ عصب طائفة الحكم).

ورسّخ الأسدان سردية أن السنة يتحيّنون الفرص للانتقام بمجرد استردادهم للسلطة، ولذلك ما على سواد الطائفة إلا التموضع خلف الأسد لحمايته، وبالتالي حماية أنفسهم من المصير الذي خوّفهم منه.

أمّم الأسد الطائفة كلها وأفرغها من كل مقومات القوة المنافسة كالمرجعيات الدينية والثقافية والمجتمعية، والوجهاء والفعاليات الاقتصادية، وأرسى مرجعيات عسكرية هي نخبة من ضباطه الموالين له، وأطلق أيديهم في إدارة شؤون الطائفة، وبسبب الفقر المدقع لمعظم أفراد الطائفة حرص الأسد الأب على عدم إحداث أيّ تنمية في المناطق التي يسكنونها، وبالتالي لم يكن أمام شبابهم إلا الانضمام للجيش والمخابرات وباقي الأجهزة الإدارية في الدولة، بحيث يشكّلون أغلبية عددية ونوعية في المفاصل الهامة، وأرسى تقاليد العسكرتارية العلوية ونهج المؤسسات التي تُنتج ذاتها، وتحكمها تقاليد صارمة من حيث معاملة الآخر السني كعدو، وليس فقط كعدو محتمل، وذلك لتبرير كل الجرائم التي تتم بدم بارد، وقبل وقوع أيّ خطر، بل كإزالة استباقية لأيّ تهديد، وكان موت أيّ سجين تحت التعذيب يُعدّ مفخرة وبطولة للسجان وتثبيت الولاء والإخلاص للقائد والطائفة.

ودعم الأسد سرديته بحادثة مدرسة المدفعية بحلب في صيف 1979 المعروفة، ولم يدعها تمرّ إلا بارتكابه لمجزرة حماة 1982، حيث ورّط نهائياً الطائفة معه بالحرب على السوريين السنة وزرع بذور العداوة والانتقام، وتلك المجزرة محطة فاصلة أدّت لشرخ كبير بين السوريين، ولا يمكن تفسير حدوث الثورة السورية بعد عقود دون دراسة أسباب وتداعيات مجزرة حماة المروعة.

عند انطلاق الثورة السورية أدرك الأسد أنه لن يحميه إلا طائفته التي استثمر فيها لعقود، فعمل على تطييف الصراع باكراً، بل وساعده في ذلك الميليشيات المرتبطة بفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، وكان مبدأ كل السنة عدو هو السائد وإن كان يُغلّف بشعارات أخرى، وكانت استراتيجية النظام وحلفائه ارتكاب المجازر والاعتداءات الطائفية لاستجلاب رد فعل مساوٍ بالقيمة ومعاكس بالاتجاه لتبرير إجرامه وتأمين الدعم من أنصاره وتخويفهم بالغول السني، ولا شك أنه نجح في أماكن وأخفق في أماكن أخرى..

لذلك بالغ الأسد وحلفاؤه من الميليشيات الشيعية في تطبيق العقيدة الروسية في القتال القائلة بأن كل من يوجد في الطرف الآخر فهو عدو، في تبرير لسياسات ما يُعرف بالأرض المحروقة وتجفيف منابع الدعم المجتمعية بتدميرها أو تهجيرها، بل اتبع الأسد وحلفاؤه منهجاً أكثر وحشية، وهي اعتبار كل المكوّن السني عدواً محتملاً، وبالتالي صبّ كل الهمجية عليه في المناطق الثائرة عليه أو التي ما زال يُحكم قبضته عليها، وذلك لإرهابه تمهيداً لتهجيره وإحداث التغيير الديمغرافي المطلوب، وجلب مهاجرين غير سوريين وإسكانهم فيها يشتركون معه بنفس المخاوف من الأغلبية السنية، وهو ما يفسّر المجازر الطائفية التي حدثت في أرياف حمص وحماة ضد السنة، أو في الإعدامات الكثيرة لمواطنين من السنة الذين لم يشاركوا في الثورة وكانوا يعيشون في مناطق سيطرة النظام، ومجزرة حي التضامن من تلك المجازر التي تم تنفيذها بدم بارد بحق أفراد من السنة لم يشاركوا في الثورة، وكانوا غير مطلوبين أمنياً للنظام لأنهم يمرّون يومياً من نفس الحاجز الذي قتلهم.

كانت القيادة السورية حكيمة في معالجة الإرث الموروث من الأسد، ففيما كان الجميع ينتظر أنهاراً متوقعة من الدماء بعد انهيار الأسد أو في المعارك التي أدّت لانهياره، رفعت قيادة عملية ردع العدوان شعاراً وطبّقته عملياً وهو نصر بلا انتقام، وساهمت بعد ذلك في عزل ما تبقى من هياكل منظومات الأسد الأمنية والعسكرية عن أيّ داعم خارجي، إضافةً لعزلها عن حواضنها المجتمعية، وذلك لمعاملة تلك الحواضن معاملة جيدة أكثر من المتوقع بكثير، وبالتالي إدراك تلك الحواضن أن مصلحتها في خيار الدولة وتعرية وكشف المجرمين وعدم تقديم المساعدة أو الغطاء لهم، وهو ما أدّى لاعتقال الكثير من المجرمين الفارين كأمجد يوسف وغيره.

لذلك لا مناص من الاعتراف بحكمة القيادة في طريقة تعاطيها مع أخطر الملفات الداخلية، وصبرها وتحملها للكثير من النقد من الحواضن الثورية المكلومة والمتذمرة من تسويات مؤقتة مع نافذين في عهد النظام البائد، ومن الإفراط في إطلاق سراح بعض ضباط النظام المخلوع، والتي ارتأت القيادة أنهم لم يشاركوا بأعمال إجرامية، وبالتالي كسب الكثير من الحواضن الأهلية لصفّ الدولة السورية.

ستستمر العدالة في طريقها، وسيتساقط المجرمون، وسينتصر مسار العدالة الانتقالية التي ستؤمّن مجتمعاً سورياً يسير على طريق التقدم والاستقرار والازدهار.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني