
الواقع الطبي بين الخدمة والمعاناة
تغفو مدينتي الجميلة على ضفة الفرات بهدوء، حيث كان الفرات يسمع أنين السكان، ويسمع صوت المتعافين، ويرتاد أرصفته الزوار والمرافقون للمرضى، عبر سلسلة مشافٍ تعانق السرير النهري، ما بين مشفى عام وخاص. تلك المشافي كانت كفيلة باستيعاب كل المرضى وتقديم الخدمات، إلى أن قامت مكنة الحرب المجنزرة بمسحها من خارطة المدينة، ليبقى المشفيان الوحيدان، الوطني والهويدي، اللذان يقدمان الخدمات، وقد بدوا عاجزين في مراحل كثيرة عن ذلك.
بعد التحرير، كان لا بد للعجلة من المضي قدماً في محاولات تلفظ أنفاسها لتقديم تلك الخدمات وتغطية العجز، فالعبء أثقل كاهل المواطن الذي يتحمل عناء السفر إلى العاصمة لأجل العلاج، وهناك تبدأ مرحلة الاستنزاف المادي. ولعل طبيعة الخدمة فرضت تلك الحالة، فالأمر هنا ليس وليد أزمة فقط، بل هو حالة سلوكية حولت الخدمات الصحية من وسيلة خدمة إلى وسيلة كسب. ورغم ذلك الكسب، فإن الأزمة السلوكية في التعامل مع المرضى، ونقص الخدمات، وفقدان كل إجراءات السلامة الطبية، تشكل عائقاً حقيقياً.
لكن المأساة تكمن في طوابير الانتظار بالنسبة للعيادات الخارجية، حيث تغيب خدمة الحجز الإلكتروني، مع بدائية التسجيل، فعلى المراجع الحضور في فترة مبكرة لينضم إلى طابور التسجيل، حيث يضطر البعض للحضور بوقت مبكر، فالطابور يبدأ قبل بدء الدوام الرسمي ويجمع كل الحالات المرضية، لكن التسجيل والحصول على الرقم لا يمكنان قبل حضور الموظفة المختصة. ويعمد بعض رجال الأمن العاملين داخل المشفى إلى التدخل لصالح المعارف والأقارب، وتقديم الدور وتأخيره.
لا يزال المشفى الوطني المكتظ بالمرضى عاجزاً عن الارتقاء بتقديم الخدمات بصورتها المثلى، ولا يزال عامل التنظيم والنظافة يشكل تحدياً كبيراً. فإهمال التعقيم وعزل النفايات الطبية أمر يلفت أنظار كل مراجعي المشفى، لكن الأزمة الحقيقية تكمن في الكادر العامل داخل المشفى، الذي يفتقر الكثير منه إلى أدنى سلوكيات التعامل. وتشكل التبعية والولاء والمنفعة الشخصية دوافع تدفع الكثير من الأطباء إلى تحويل المرضى إلى مشفى الزين الخاص، الذي تكتظ أوراق مديرية الصحة بالشكاوى والمعاناة والتجاوزات التي تجري خلف الكواليس.
ويُعتبر الزين المشفى الخاص الوحيد الذي يقدم الخدمات، وربما تشكل المنافسة في الأيام القادمة عاملاً تشجيعياً للمشافي على تحسين خدماتها، خصوصاً أن بعض المشافي الخاصة باتت جاهزة لتقديم الخدمات، كمشفى النور ومشفى الرضى ومشفى السرور. ولعل تخصيص مشفى الشهيد أحمد هويدي لأمراض النساء والأطفال يشكل عاملاً مهماً في تنظيم الواقع الطبي في المدينة.
فالإحصائيات الأخيرة التي صدرت عن الجهات الرسمية تؤكد أن عدد المشافي العامة قد ارتفع إلى 13 مشفى، من ضمنها المشفى الوطني بدير الزور والبوكمال والميادين، وأن عدد الأسرّة قد وصل إلى 520 سريراً، و10 مراكز توليد و82 مركزاً طبياً. مع ذلك، يبقى العجز قائماً طالما أن أغلب المراكز تفتقر إلى الأجهزة الطبية والمساندة، ولا ننكر هنا الحركة الحثيثة لوزارة الصحة، وكذلك جمعية سامز.
السؤال الذي يبقى معلقاً: هل تكفي هذه المشافي لتقديم الخدمات؟ ربما يشكل عدم وجود مشافٍ متخصصة بالأمراض المختلفة أزمة، وتبقى الأزمة قائمة. ففي ظل حالة استعراض ما يُقدَّم وليس ما يُطوَّر، لن يتحسن الواقع إلا بتطوير المتاح ورفع الكفاءة والأداء. وما يُقدَّم ويُطرح يجب تطويره بسرعة تتناسب مع حجم الأزمة الحقيقية.
وكذلك يشكل عدم ضبط تلك المراكز والعيادات الخاصة المنتشرة في أحياء المدينة أزمة تعدٍّ سافر على الهيكلة العمرانية في المدينة. لقد غزت الأحياء السكنية، فشكلت حالة فوضى في حياة الجوار، وسببت حالة فوضى وجعجعة ملحوظة، أفقدت الأحياء هيبتها العمرانية وخصوصيتها، وسلبتها صفة الهدوء والتنظيم، بل وسببت كارثة حقيقية في معدل الارتفاع والتضخم بأسعار العقارات السكنية وارتفاع نسب الإيجار.
فما يقوى عليه الطبيب الذي يتاجر بحالة المواطن الصحية، ويحوّل المرض إلى حالة تجارية، لا يقوى عليه مواطن ضعيف الحال. لقد تحول التنظيم السكني في المدينة إلى مجمعات وعيادات طبية، وتحولت أسطحة البلكونات وأعمدة الكهرباء إلى لوحات إعلانية، وتحولت الحدائق والأرصفة إلى مطاعم وبوفيهات خدمية لخدمة المراجعين، فلا رقيب ولا حسيب، ولم تقم أي جهة مسؤولة، بدءاً من مديرية الصحة وانتهاءً بالبلدية، بمنع هذه الظاهرة.
دعوني أخبركم بأن ما يسود الساحة الطبية اليوم هو ظاهرة تجارية، ربما تسببت بها الظروف التي مرت بالمدينة، حيث حُشر الناس في حيين فقط، لكن المدينة اليوم ممتدة، رغم أن الكثير من الأحياء مدمر، إلا أن الكثير من الكتل التجارية لا يزال قائماً، وبدأت الحركة فيها تدب. فهذا الاكتظاظ في حيي القصور والحويقة بات مقززاً ومؤذياً، بل هو ظاهرة وأزمة صحية حقيقية، ويشكل عاملاً مهماً لانتشار العدوى والإصابات واستشراء الفيروسات.
وبشكل عام، لا أستثني العيادات الخاصة من المساهمة في انتشار الأمراض والعدوى، كونها تشكل بيئة خصبة لذلك، فبدلاً من أن تكون العيادات بيئة مثلى للصحة، نجد الواقع مغايراً لذلك، ولا يتناسب مع أدنى مقومات الصحة.