الجنوب السوري بين حماقة التوغلات الإسرائيلية وحكمة دمشق.. ماذا بعد؟

0 513

توصلت دولة الاحتلال، بدءاً من عام 2000، إلى قناعة مفادها أنه لا يُمكن بناء جسور ثقة مع السكان المحليين في أي أرض تحتلها إسرائيل، فكان الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني تجسيداً لذلك، وحدث ذلك إبان رئاسة إيهود باراك للحكومة الإسرائيلية. ثم في عام 2005، قام أرييل شارون بسحب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة، وبالتالي أصبحت السيطرة على السكان وإدارة شؤونهم لا تُجدي نفعاً، وبنفس الوقت استمرت سلطات الاحتلال في بناء مستوطنات يهودية خالصة في الضفة الغربية وتقليل تواجدها في المدن الفلسطينية، واعتمدت على السلطة الفلسطينية الناشئة بفعل اتفاق أوسلو على إدارة حياة السكان في المناطق المأهولة، فيما أعطت تل أبيب امتيازات لدروز إسرائيل، الأمر الذي مكّنها من احتواء مقاومة محدودة لدروز الجولان السوري المحتل.

ويبدو أن إسرائيل أيقنت أنها تريد احتلال أرض بدون سكان أو تهجيرهم منها، وهو ما يُحقق لها أمنها القومي كما تراه.

وبعد طوفان الأقصى، ازدادت قناعتها بضرورة احتلال الأرض خالية من السكان، ولم تُخفِ نيتها بتهجير أهالي غزة لو استطاعت، ولحين حدوث ذلك، عملت على تدمير البنية التحتية المدنية وأسباب الحياة الأخرى لتجعل الحياة العادية مستحيلة، وبنفس الوقت مارست الفعل نفسه في الجنوب اللبناني، ودمّرت كل الأسباب التي تجعل من حياة الإنسان ممكنة، وبالتالي تُخطط لاحتلال الأراضي التي انسحبت منها سابقاً، ولكن وهي خالية من البشر.

نفس الاستراتيجية تُطبقها في المنطقة العازلة التي احتلتها في الجنوب السوري بعد سقوط نظام الأسد، وهي تعمل على التضييق على السكان لطردهم من قراهم، وتجريف الأراضي الزراعية في محيط تلك القرى لمنعهم من العمل بها، إضافة إلى الاعتقال المتكرر للمزارعين ورعاة الحيوانات، ثم الإفراج عنهم لتخويفهم من الاقتراب من تلك المناطق، وهي لا تريد أشجاراً أو بيوتاً في تلك المناطق، ممكن أن تكون مساعدة لأي عمل مقاوم ينشأ في المستقبل. وتعتقد دولة الاحتلال أنها بذلك تقوم بتغيير ديمغرافي، ولا تفكر أبداً في تكرار تجربة جيش أنطوان لحد باستمالة سكان محليين للدفاع عنها، ما تريده أرضاً خالية لمنع طوفان أقصى سوري مستقبلي، وهذا أمر معلن ويُقال صراحة ولا يُخفونه، خاصة أنها تتهم الحكومة الحالية بأنها إسلامية المنبت والهوى والتوجه، وستحوّل سوريا إلى غزة كبيرة.

وحاولت دولة الاحتلال استغلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت إسقاط نظام الأسد وولادة الدولة السورية الجديدة، والتي تعاني الكثير من آثار الحرب السورية على مدى عقد ونصف مضى، وحاولت فرض اتفاق سلام بشروطها، أو تطبيع بشروطها، أو على الأقل فرض اتفاق أمني بشروطها، ووفق رؤيتها، تراه أفضل من اتفاق الهدنة الموقع عام 1974، والذي اعتبرته لاغياً بسقوط حقبة الأسد، كالحصول على ترتيبات أمنية فحواها جنوب سوري منزوع السلاح، واستمرار احتلالها لقمة جبل الشيخ التي تموضعت فيها حديثاً، والبقاء في المنطقة العازلة التي تتواجد فيها قوات الأندوف. فعملت على الإمساك بالورقة الدرزية لمساومة الحكومة السورية، كما أنها تزيد من توغلاتها دون أي هدف عسكري جوهري، بل فقط لإحراج القيادة السورية أمام شعبها، لأنها تدرك أن الحكومة السورية لن تعطيها الفرصة أو الذريعة لقصف وتدمير ما بقي من منشآت حيوية، ولن تخوض حرباً في ظل واقع القوى على الأرض، كما أن الحكومة السورية لم تُلقِ بالاً للمطالب الإسرائيلية بوضع محددات عليها في التعاون العسكري والأمني مع تركيا، والتدخل بقرار سيادي سوري، والتي بدأت دولة الاحتلال حديثاً تُصنّفها كعدو جديد وقوي، أو فزاعة لإبقاء الخطر الخارجي قائماً، لأنها تعتقد في قرب نهاية الخطر الإيراني عليها بنجاح الحرب الحالية في إسقاط النظام الإيراني أو تدمير مقدرات الدولة الإيرانية كلها وتفتيت إيران.

بالطبع، تدرك القيادة السورية أن خيار أي مواجهة عسكرية مع دولة الاحتلال لن يكون متاحاً أو خياراً عملياً قبل استكمال عملية بناء الجيش السوري وتسليحه، وخاصة امتلاك سلاح دفاع جوي، لذلك كانت المسارات السياسية والقانونية خياراً حتمياً وحيداً للقيادة السورية للتعامل مع الاستفزازات الإسرائيلية، دون تقديم أي تنازل عن الثوابت المعروفة أو تفريط بأي شبر أرض سوري أو فضاء سوري تطلب إسرائيل ترك مساحات آمنة لها للوصول إلى إيران منها، وبالتالي حرية حركة في الأجواء السورية.

رفضت القيادة السورية كل تلك المطالب، مع تشكيل لوبي عربي أوروبي أمريكي ضاغط على حكومة الاحتلال لوقف اعتداءاتها، مع تأكيد الرئيس السوري، ومن منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، بأن الجولان أرض سورية وفق الشرعة الدولية، ولا يمكن التفريط بها، وهذا موقف علني نهائي من أعلى منبر دولي.

والمسار القانوني أيضاً يصب في خدمة البوصلة السورية، حيث تتكرر التصريحات الأممية، ومن الأمين العام غوتيريش نفسه، وفي دمشق، بأن الجولان سورية ومحتلة، ولا قيمة قانونية لأي واقع على الأرض تحاول دولة الاحتلال فرضه.

حتى إن المبعوث الرئاسي الأمريكي لسوريا قال، بعد قصف مطار أبو الضهور، إن إسرائيل تحتل الجولان وهي أرض سورية، في معرض إدانته للغارة على المطار، دون صدور أي بيان أمريكي رسمي يخالف تصريحاته، وذلك على خلفية وعد الرئيس ترامب لإسرائيل بالسيادة على الجولان في دورته الرئاسية الأولى، فالخيار الدبلوماسي والقانوني هو الخيار العملي والمتاح والأقل كلفة في طريقة معالجة القيادة السورية للعدوان الإسرائيلي.

يوجد ثلاثة سيناريوهات لتطور الأوضاع في الجنوب السوري في ظل الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.

1- بعد الانتخابات الإسرائيلية وتشكيل حكومة جديدة، من المرجح أن يتم التوصل، بضغط أمريكي، إلى اتفاق أمني سوري إسرائيلي تم إنجاز 90% منه، لأن عدم حدوث توتر بين الجانبين لا يخدم الأهداف الأمريكية في حربها مع إيران، وهي لا تريد أي نزاع بين حلفائها السوريين والأتراك مع حليفتها إسرائيل، وسيحظى هذا السيناريو بدعم دولي، وهو السيناريو الأقرب للحدوث.

2- خيار الحكومة السورية الآن، واحتمال نجاح نتنياهو بالانتخابات واستمراره في اتباع السياسات نفسها، هو إبعاد القوى العسكرية والأمنية السورية عن أي مواجهة مع الجيش الإسرائيلي، ودعم صمود ومقاومة المجتمعات المحلية، بحيث تزيد الكلفة على أي توغل إسرائيلي، ولا يكون الاعتداء نزهة، بغرض منع تكراره أو التقليل منه على الأقل، وأي مقاومة محلية ستكون مشروعة، ولا تستطيع إسرائيل اتخاذها ذريعة لإشعال حرب مع سوريا.

3- انفجار الوضع وفقد السيطرة عليه، وبالتالي اندلاع مواجهة بين سوريا وإسرائيل، ستزيد التأزم أكثر في المنطقة، وأعتقد أن الولايات المتحدة لن تسمح بالوصول إليه نظراً لتضاربه مع مصالحها وامتلاكها أوراقاً ضاغطة على كل الأطراف.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني