الأسلحة الكيميائية في سوريا.. من وفرة التوثيق إلى اختبار المحاسبة الفردية

0 54

لم تعد قضية الأسلحة الكيميائية في سوريا مرتبطة فقط بما تبقى من مخزونات ومواد موروثة عن عهد النظام السابق، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيداً: كيف تتحول سنوات من التوثيق والشهادات والأدلة إلى ملفات قضائية تحدد المسؤولية الفردية، وتكون قابلة للاختبار أمام القضاء والاستئناف؟

هذا السؤال برز خلال فعالية دولية ناقشت في 16 أيلول/سبتمبر 2026 إرث الأسلحة الكيميائية في سوريا، بمشاركة مسؤولين وخبراء دوليين وسوريين، بينهم فضل عبد الغني، المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان. ونظمت الفعالية رابطة الحد من الأسلحة وتحالف اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.

من إزالة المخزون إلى مواجهة الإرث:

تأتي المناقشات في وقت تعمل فيه سوريا، بالتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والمجتمع الدولي، على حصر وتدمير ما تبقى من برنامج الأسلحة الكيميائية الموروث عن النظام السابق، بالتوازي مع جهود مساعدة الضحايا وملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات.

وخلال الفعالية، عرض السفير السوري لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، محمد كتوب، ثلاثة تحديات رئيسية أمام عمليات التخلص من المخلفات الكيميائية: الطبيعة السرية للبرنامج الموروث، محدودية قدرات المؤسسات الوطنية، والمخاطر الأمنية.

وقال كتوب إن المخلفات التي عُثر عليها في أيار/مايو جرى جمعها، وإن تدمير 42 قنبلة جوية غير معبأة بدأ في آب/أغسطس. وأضاف أن 18 ضابطاً سابقاً وخبيراً في الأسلحة الكيميائية محتجزون، وأن تحقيقات فُتحت في هجومين، مشيراً إلى أن القانون السوري لا يجرّم استخدام الأسلحة الكيميائية حتى الآن. وهذه المعطيات تظل، وفق المصدر، تصريحات أدلى بها المسؤول السوري خلال الفعالية، ولا تمثل بحد ذاتها أحكاماً قضائية تثبت المسؤولية الجنائية.

وتأتي هذه التطورات ضمن ملف أوسع تعمل عليه منظمة حظر الأسلحة الكيميائية؛ فقد أعلنت المنظمة في أيار/مايو 2026 العثور على أسلحة ومواد ووثائق كيميائية لم تكن معلنة سابقاً، فيما تواصل فرقها عمليات التحقق وجمع العينات والوثائق من مواقع مرتبطة بالبرنامج السابق.

سجل دولي متراكم:

استعرض المدير العام السابق لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، أحمد أوزومجو، خلال الفعالية مسار عمل المنظمة في سوريا منذ عام 2013، بدءاً من إزالة نحو 1300 طن من المواد الكيميائية والمواد الأولية المعلنة، وصولاً إلى أعمال بعثات تقصي الحقائق وآليات التحقيق وتحديد المسؤولية.

وقال إن سبع مسائل فقط من أصل 26 مسألة عالقة في الإعلان السوري جرى حلها خلال عهد النظام السابق، بينما أتاحت السلطات الجديدة للمنظمة وصولاً كاملاً، وفق ما عرضه في الفعالية.

أما نائب الممثل الدائم للمملكة المتحدة لدى المنظمة، ريتشارد ييتس، فتحدث عن مجموعة تقودها سوريا لمعالجة الملف عبر سبعة مسارات، مشيراً إلى تقديم بلاده أكثر من 3.5 ملايين جنيه إسترليني لصندوق بعثات المنظمة المعني بسوريا، وأكثر من 7 ملايين جنيه لعمليات التدمير.

وفي تموز/يوليو 2026، أعاد المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية حقوق سوريا وامتيازاتها في إطار الاتفاقية، كما أكد أن ملف سوريا يشمل التحقق من الإعلانات والتحقيق في استخدام المواد السامة كسلاح وتحديد المسؤولين عن استخدامها.

لكن التخلص من المواد الكيميائية لا يحسم الجانب الآخر من القضية؛ فإزالة السلاح بوصفه مادة خطرة لا تحدد تلقائياً من أصدر الأمر باستخدامه، أو من نفذ الهجوم، أو من شارك في سلسلة القرار التي أفضت إليه.

التحدي الحقيقي: تحويل التوثيق إلى ملف قضائي:

هنا ركز فضل عبد الغني على الجانب الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة، في مداخلة حملت عنوان الانتقال من التوثيق إلى المحاكمة العادلة وتحويل الأدلة إلى مسؤولية جنائية فردية.

وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وثقت الشبكة 222 هجوماً بالأسلحة الكيميائية في سوريا بين 23 كانون الأول/ديسمبر 2012 و8 كانون الأول/ديسمبر 2024، نسبت 217 منها إلى قوات النظام السابق، وخمسة إلى تنظيم «داعش». وقالت إن هجمات قوات النظام السابق أدت إلى مقتل 1514 شخصاً وإصابة أكثر من 11 ألفاً، بينما أدت الهجمات التي نسبتها إلى «داعش» إلى إصابة 132 شخصاً.

وهذه الأرقام، بوصفها حصيلة توثيق صادرة عن الشبكة، لا تعادل أحكاماً قضائية نهائية بشأن المسؤولية الجنائية عن كل واقعة.

ويرى عبد الغني أن المشكلة الأساسية لا تكمن في نقص التوثيق، بل في تحويل سجل ضخم ومجزأ إلى قضايا محددة ضد مشتبه بهم محددين، بحيث يمكن اختبار الأدلة أمام القضاء وتظل قادرة على الصمود خلال المحاكمة والاستئناف.

وفي هذا الإطار، قالت الشبكة إنها تقدم مواد منظمة تساعد جهات الادعاء على فتح التحقيقات وترتيب أولوياتها وتوجيهها، من خلال التسلسل الزمني للوقائع، وسجلات الضحايا والمصابين، ومصفوفات المصادر، ومسارات الوصول إلى الشهود، إلى جانب تحديد مواطن ضعف الأدلة بصورة صريحة.

كما شدد عبد الغني على ضرورة التمييز بين الوقائع التي جرى التحقق منها بصورة مستقلة، والادعاءات الموثقة، والاستنتاجات الخاصة بالشبكة، والمعلومات التي لا تزال مجرد خيوط أولية تحتاج إلى تحقيق إضافي.

التوثيق ليس حكماً قضائياً:

أهمية هذا التفريق تتجاوز الجانب الفني؛ إذ إن تحويل مادة حقوقية إلى دليل قضائي يقتضي تقييم أصالتها وموثوقيتها وصلتها بالقضية بصورة مستقلة من جانب جهات الادعاء.

وبحسب عبد الغني، يتعين على المدعين العامين تقييم أصالة المواد وموثوقيتها وصلتها بالقضية بصورة مستقلة، وتحديد ما إذا كانت تحتاج إلى أدلة إضافية، فيما يبقى للمحكمة تحديد مدى قبول الأدلة وقوتها الإثباتية.

وهنا يتغير معيار النجاح: فامتلاك سجل واسع من الانتهاكات لا يكفي وحده لإثبات المسؤولية الفردية. المطلوب هو بناء قضية تستطيع إثبات عناصر الجريمة وربطها بأشخاص محددين، ضمن إجراءات تحترم حقوق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة.

القضاء السوري والمسارات الدولية:

ولا يقتصر هذا المسار على القضاء السوري. فقد أشار عبد الغني إلى إمكانية قيام المحاكم الأجنبية بدور موازٍ عندما تتوافر الأسس القانونية اللازمة، ولا سيما في القضايا التي تستند إلى الولاية القضائية العالمية، كما أشار إلى الإجراءات القضائية في فرنسا المرتبطة ببشار الأسد.

وقال إن الشبكة السورية لحقوق الإنسان أسهمت في جميع القضايا التي عُرضت أمام المحاكم في سوريا، بما فيها المحاكمات المتعلقة بعاطف نجيب ووسيم الأسد وأحمد بدر الدين حسون، وفق ما أورده في مداخلته.

لكن دور منظمات التوثيق يظل مختلفاً عن دور الادعاء والقضاء. فالتوثيق يوفر مادة يمكن أن تساعد في فتح التحقيقات وتحديد مساراتها، بينما يبقى إثبات المسؤولية الجنائية من اختصاص جهات الادعاء والمحاكم، بعد فحص الأدلة والتحقق منها وفق الإجراءات القانونية.

من أرشيف الحرب إلى قاعة المحكمة:

يكشف النقاش الحالي أن ملف الأسلحة الكيميائية في سوريا يدخل مرحلة مختلفة. فبعد سنوات كان فيها التركيز على توثيق الهجمات وتحديد طبيعة المواد المستخدمة وحفظ الأدلة، أصبح السؤال أكثر تحديداً: ماذا سيحدث لهذا السجل عندما ينتقل من أرشيف حقوقي ودولي إلى ملف قضائي؟

إن تدمير ما تبقى من المواد الكيميائية يعالج خطراً مادياً مرتبطاً بإرث الحرب، لكنه لا يحسم وحده مسألة المسؤولية عن استخدامها. وبين المسارين تقع مهمة شديدة التعقيد: تحويل التوثيق المتراكم إلى قضايا فردية قابلة للاختبار القضائي، من دون استبدال حكم المحكمة باستنتاجات الجهات الموثقة، ومن دون التفريط في حقوق المتهمين وضمانات المحاكمة العادلة.

وقد يكون الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة، لذلك، ليس حجم الوثائق التي نجت من سنوات الحرب، بل قدرة المؤسسات السورية والدولية على تحويلها إلى قضايا فردية تستند إلى أدلة قابلة للفحص، وتحقيقات مستقلة، ومحاكمات عادلة، وأحكام قضائية قادرة على الصمود أمام القانون والتاريخ.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني