
سوريا بعد توقف استخدام الذخائر العنقودية.. مخلفات الحرب تحصد أعلى عدد من الضحايا عالمياً
لم تُسجّل سوريا استخداماً جديداً معروفاً للذخائر العنقودية منذ أواخر عام 2024، لكن مخلفات استخدامها السابق ما زالت تحصد ضحايا. ففي عام 2025، سجّلت البلاد أعلى عدد من القتلى والمصابين بسبب هذه المخلفات في دولة واحدة، بواقع 68 حالة من أصل 117 حالة مسجلة عالمياً.
وبحسب تقرير مرصد الذخائر العنقودية 2026، بلغ عدد القتلى والمصابين بالذخائر العنقودية ومخلفاتها حول العالم 1,063 شخصاً خلال عام 2025. ووقعت 946 حالة أثناء هجمات بالذخائر العنقودية، مقابل 117 حالة نجمت عن المخلفات غير المنفجرة. وتشكل الحالات السورية نحو 58 في المئة من ضحايا المخلفات المسجلين عالمياً.
ويغطي التقرير عام 2025، مع تحديثات، حيث أمكن، حتى تموز/يوليو 2026. وتشارك الشبكة السورية لحقوق الإنسان، العضو في المرصد عن سوريا منذ عام 2020، في تزويده ببيانات توثق الاستخدام والضحايا ومواقع الحوادث والجهات المسؤولة، حيثما أمكن تحديدها.
إرث سنوات الحرب:
لا يدرج المرصد سوريا ضمن الدول التي شهدت استخداماً جديداً معروفاً للذخائر العنقودية خلال عامي 2025 و2026 أدى إلى تلوث إضافي. ويعود سجل الاستخدام السوري في التقرير إلى الفترة بين 2012 و2024، مع الإشارة إلى استخدام واسع من جانب القوات المسلحة السورية السابقة بدعم روسي، إضافة إلى توثيق استخدام تنظيم داعش نوعاً واحداً على الأقل من هذه الذخائر.
وبذلك، تحوّل الخطر في سوريا من استخدام السلاح إلى التعامل مع آثاره المتبقية. وحتى تموز/يوليو 2026، كانت البلاد واحدة من 29 دولة ومنطقة معروفة بتلوثها بمخلفات الذخائر العنقودية.
ويصنّف المرصد تقديرات التلوث في سوريا، المؤرخة في 31 كانون الأول/ديسمبر 2025، ضمن النطاق المتوسط، أي بين 10 و99 كيلومتراً مربعاً. غير أن هذا التصنيف يظل تقديرياً، إذ لم يخضع التلوث لمسح شامل، ما يصعّب تحديد مساحته الفعلية وعدد السكان المعرضين للخطر ووضع أولويات دقيقة لعمليات التطهير.
وتأتي سوريا في المرتبة الثانية بعد لاوس من حيث إجمالي القتلى والمصابين بالذخائر العنقودية المسجلين في قاعدة بيانات المرصد حتى نهاية 2025، بإجمالي 4,557 شخصاً، سواء نتيجة الهجمات المباشرة أو المخلفات. وينبه المرصد إلى أن الأرقام لا تمثل بالضرورة العدد الكامل للضحايا، بسبب احتمال عدم الإبلاغ عن بعض الحالات أو عدم تحديد نوع الذخيرة المستخدمة.
فجوات في مساعدة الناجين:
ولا يقتصر أثر المخلفات على الخطر الميداني؛ فالناجون يواجهون أيضاً صعوبات في الحصول على الرعاية والخدمات اللازمة. ويورد التقرير سوريا، إلى جانب ميانمار وأوكرانيا، ضمن الدول غير الأطراف في الاتفاقية التي كانت خدمات مساعدة الضحايا فيها من الأكثر تضرراً.
وتشمل الفجوات الرعاية الطارئة وإعادة التأهيل، والأطراف والأجهزة التقويمية، والدعم النفسي والاجتماعي، وخدمات الإدماج الاقتصادي، مع صعوبات أكبر خارج المدن الرئيسية. ويواجه سكان المناطق الريفية أعباء إضافية نتيجة المسافات الطويلة وتكاليف الوصول إلى المراكز المتخصصة.
كما يشير التقرير إلى أن نقص الاستثمار والقيود الإدارية والعوائق أمام استيراد المعدات المتخصصة تحد من خيارات إعادة التأهيل. وفي المقابل، أسهمت آلية التنسيق ضمن مجال مسؤولية الأعمال المتعلقة بالألغام في ربط التوعية بالمخاطر بالاستجابة الإنسانية والتعافي المبكر وتنسيق جهود الجهات الوطنية والدولية.
سوريا خارج اتفاقية الذخائر العنقودية:
سوريا ليست طرفاً في اتفاقية الذخائر العنقودية لعام 2008، ولم يسجل تقرير 2026 خطوة رسمية جديدة نحو الانضمام إليها، رغم مشاركتها سابقاً بصفة مراقب في بعض اجتماعات الاتفاقية.
وتدعو الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى إجراء مسح وطني لمناطق التلوث، ووضع علامات وتحذيرات واضحة، وتوسيع برامج التوعية والتطهير وفق مستوى الخطر واحتياجات المجتمعات المحلية، إلى جانب زيادة الدعم الدولي لعمليات إزالة المخلفات ومساعدة الضحايا.
كما تطالب الحكومة السورية باتخاذ خطوات رسمية للانضمام إلى الاتفاقية وإعلان التزام دائم بعدم استخدام الذخائر العنقودية أو إنتاجها أو تخزينها أو نقلها.
ورغم غياب استخدام جديد معروف منذ أواخر 2024، تكشف حصيلة عام 2025 أن آثار الذخائر العنقودية لا تنتهي بانتهاء الهجمات. فـ68 ضحية في عام واحد تضع أمام سوريا تحدياً يتجاوز وقف استخدام السلاح، إلى تحديد أماكن الخطر وإزالتها، وضمان وصول الناجين إلى الرعاية والخدمات التي يحتاجون إليها.