
الجولان ليس للمساومة.. دمشق ترد وإسرائيل تكشف أطماعها
كانت المواقف السورية من أعلى مستوى فيها، ممثلةً بالسيد الرئيس أحمد الشرع، ومن أعلى منصة أممية، وهي الجمعية العامة للأمم المتحدة، واضحة وصريحة بشأن السيادة السورية على الجولان المحتل، ويُشكّل هذا دحضاً لكل القرصنة الإسرائيلية والتشبيح المستمر من حكومة العدو، سواء بالتصريحات أو الزيارات المتكررة الاستعراضية للأراضي السورية المحتلة، سواء قبل إسقاط نظام الأسد أم بعده، وهذه المواقف السورية تدحض أيضاً ثرثرات الطابور الخامس وكل أعداء سوريا بأنّ تفريطاً بالأرض والسيادة عليها قد حصل خلال المباحثات السورية الإسرائيلية الأخيرة…
ولكن لا يمكن وضع الاستفزازات الإسرائيلية، من تصريحات وزيارات لمناطق سورية محتلة، في خانة الحملات الانتخابية الجارية الآن فقط، حيث من المتوقع أن تستمر تلك الاستفزازات إذا ربح اليمين الانتخابات أو إذا أتى التحالف المناوئ لنتنياهو بزعامة أزنكوت أو بينيت، حيث إنّ السياسة الإسرائيلية ستستمر بجوهرها إزاء سوريا، وقد تختلف بالشكل فقط، بمعنى غياب التصريحات الاستفزازية، لكن السياسة ستبقى نفسها.
تغيّرت العقيدة الاستراتيجية الإسرائيلية بعد طوفان الأقصى، حيث كانت تقوم على التفوق بالردع وعدم جرأة الخصوم على تحدي الكيان عملياً وليس شعاراتياً، وأيضاً على منع تشكّل الخطر وليس مراقبته واحتواءه والحد منه، إضافةً إلى اكتشاف الخطأ الاستراتيجي الذي وقعت فيه حكومات الاحتلال بانسحاب إيهود باراك من جنوب لبنان عام 2000 وانسحاب شارون من قطاع غزة عام 2005.. وبالتالي، إن حصلت معركة فيجب أن تدور في المناطق العازلة التي تحتلها إسرائيل في أراضي الدول المجاورة، وعدم تكرار تجربة الطوفان، حيث جرت معركة الـ36 ساعة ضمن أراضي فلسطين المحتلة، لذلك تم قتل 1200 مستوطن في ساعات.
وتلك هي القواعد الرئيسية التي تحكم النظرة الإسرائيلية لسوريا (أيّاً كان من يحكم إسرائيل)، حيث تعتبر قيادات العدو أنّ حكومة سورية من خلفية إسلامية تُشكّل تهديداً حقيقياً على الكيان، وذلك التهديد سيتحول إلى خطر عند امتلاك الأدوات المناسبة، لذلك تعترض إسرائيل على أيّ مأسسة وتسليح للجيش السوري، وتريده جيشاً هشاً لضمان الحد الأدنى من وحدة الأراضي السورية، وبالطبع الجيش الضعيف سيؤدي حتماً لدولة فاشلة.
حتى إنّ الاحتفاظ بالشريط العازل واحتلاله مباشرةً سيخلق حالة أمان للمجتمع الإسرائيلي، بحيث أي اختراق أو تسلل ستحدث المعركة داخل أراضٍ سورية لا يسكنها مستوطنون.
وترغب إسرائيل أن تكون السماء السورية مفتوحة لها، لا وجود لأيّ مضادات دفاع جوي تعرقل حركتها، وبعد التخلص من الاستئذان من الروسي عندما كانوا يُمسكون بالسماء السورية ويتحكّمون فيها، ويرغب قادة الاحتلال بأن لا يبني الأتراك تلك الدفاعات والرادارات ويدرّبون ضباطاً سوريين على إدارتها، وبالتالي تتحقق الاستراتيجية التركية بوجود سماء صديقة تفصل بينهم وبين إسرائيل.
ويمكن الجزم أنّ دولة الاحتلال لا تعترض على تواجد عسكري تركي في أيّ قاعدة على الأراضي السورية، لأن هكذا تواجد، في ظل امتلاك الدولتين المتنافستين لأسلحة حديثة تُلغي الأثر الخطر للجغرافيا، بمعنى لن تزداد خطورة الجيش التركي على العدو إذا تم السماح له بإنشاء قواعد أرضية على بُعد عشرات الكيلومترات (أو أكثر) في العمق السوري، حيث تُعوّض التقنيات المتطورة تلك الجغرافيا، حتى إنّ الزيارات المتكررة لقمة جبل الشيخ السورية المحتلة بعد إسقاط الأسد أهميتها نفسية ومعنوية، إذ إنها تكشف دمشق عن بُعد، وبالطبع الطيران المسيّر والرادارات الإسرائيلية والأقمار الصناعية لن تزداد المعلومات التي توفرها للعدو بالتمركز على قمة عالية يسهل قصفها.
التخوّف الإسرائيلي إذاً من التعاون العسكري والأمني بين السوريين والأتراك، ويسعون إلى وضع خطوط حمر لهذا التعاون إن لم يتمكّنوا من إجهاضه نهائياً.
لذلك لا يُمكن تفسير الاعتداءات الإسرائيلية والتوغّلات المتكررة، والتي لا هدف عسكري لها إلا الضغط على القيادة السورية لإحراجها أمام شعبها أو جرّها لفعل عنيف غير محسوب، أثبتت القيادة السورية أنها تعي ذلك ولن تُقدّم الذريعة له، ما يُقلق إسرائيل هو حاجة الولايات المتحدة والدول العربية في الخليج والاتحاد الأوروبي إلى استقرار وازدهار سوريا، كون أنّ سوريا تملك حظوظاً قوية، بسبب موقعها الجيوسياسي المميّز، في التحوّل إلى عقدة ربط استراتيجية بين الشرق والغرب، خاصةً في ظل نتائج الحرب الجارية حالياً، والتي أدّت لاضطراب في سلاسل التوريد وخطوط نقل الطاقة، ونعلم أنّ دولة الاحتلال تطمح لهذا الدور لتكمل به تفوقها العسكري بشكل يؤمن تحقيق سردية توراتية يؤمن بها أغلبية اليهود بشأن إنشاء مملكة داوود أو إسرائيل الكبرى كمجال حيوي إمبراطوري.
أجهضت القيادة السورية، وفق إمكاناتها المتاحة، معظم ما تستطيعه من مخططات إسرائيلية بالإصرار على مواقفها المبدئية والمعلنة في توقيع اتفاق أمني فقط، كما كان قبل إسقاط الأسد، ولا مكافأة لأيّ عدوان إسرائيلي.