
من باب المندب إلى طهران.. هل حُسِم قرار إسقاط المحور الإيراني؟
أتاح سقوط الإمبراطورية السوفييتية ظهور شهية دول كبرى في الإقليم لإنشاء إمبراطورياتها الخاصة، مستندةً إلى إرث تاريخي أو إلى سرديات وأساطير دينية لاهوتية، فيما ميّز القرن الأخير (بعد سقوط الدولة العثمانية) غياب أي محاولة عربية لبناء إمبراطورية بعد خديعة البريطانيين للشريف حسين بمنحه مملكة عربية كبرى فيما إذا شارك إلى جانب الحلفاء في الحرب العالمية الأولى ضد السلطنة العثمانية، وأيضاً إذا اعتبرنا المدّ الناصري في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي قد فشل في ذلك، ومحطات الفشل الرئيسية: فشل تجربة الوحدة مع سوريا عام 1961، ثم الهزيمة الكبرى للتجربة الناصرية عام 1967، وبالتالي انفضاض الجماهير العربية حتى عن مجرد الفكرة لإنشاء إمبراطورية عربية، وأسهم فشل تجربة البعث في العراق وسوريا في تيئيس الجمهور من الأمل الذي كان يداعب الجماهير.
بعد الانهيار السوفييتي الكبير تغيّر شكل العالم، ولم توفَّق القطبية الأحادية الأمريكية بقيادتها المنفردة للمرحلة التالية، ودخلت الولايات المتحدة في عقدين من التيه الاستراتيجي، وهما العقدان الأولان من هذا القرن، فبعد عقد نشوة الانتصار في تسعينيات القرن الماضي والسعي للبحث عن عدو، فاجأت الجهادية العالمية الدولة الأعظم في العالم بضربات أيلول 2001، والتي مرّغت أنف الجبروت الأمريكي بالتراب، وبدأت الولايات المتحدة بالعقدين المقبلين في الانتقام لهذه الضربة لاستعادة صورتها وهيبتها، باعتبار أن الإسلاموية السنية الجهادية هي العدو المقبل، ومنهم من رأى أن تلك تورية مقصودة، إذ كانت الولايات المتحدة ترى في الإسلام ودوله عدواً أو خطراً قائماً…
بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية بدأ نظام الملالي بالتعافي والتمدد في المنطقة، واستفاد كثيراً بتحقيق خططه من خطيئة الرئيس صدام بغزو الكويت وحدوث التصدّع الكبير فيما بقي من النظام العربي الرسمي، وكان حافظ الأسد هو نقطة الارتكاز الكبرى لهذا التمدد الطائفي، وأسهم الغزو الأمريكي للعراق في إزالة أهم الجدران العربية التي تقف في وجه المد الطائفي الإيراني، وأصبح المشروع الإيراني حقيقة واقعة على الأرض ومترابطاً جغرافياً، خاصةً أن بشار الأسد لم يكن كأبيه يحاول التعامل بندية نسبية مع الملالي، وإنما أصبح تابعاً لهم كلياً وإحدى أدواتهم.
استفاد نظام الملالي من الارتباك الرسمي العربي في التعاطي مع ثورات الربيع العربي، وبالتالي استغلت إيران هذه الفوضى، وأثمر دعمها لجماعة الحوثي في السيطرة على جزء مهم من اليمن يضم صنعاء وميناء الحديدة على البحر الأحمر.
الدهاء والحنكة لمشروع ولاية الفقيه تجلّيا في الخلط بين ما هو ديني وما هو مذهبي وما هو قومي، ولإدراك الخميني أنّ الشيعة أقلية بين المسلمين في العالم، ويوجد خلافات عقدية وتاريخية مع الغالبية الإسلامية الساحقة، لجأ لحيلة لا يزال ينتهجها نظام الملالي، وتُشكّل الرافعة الشعاراتية لمشروعه العالمي، وهو أن اختار أهم قضية عادلة وعاطفية وأخلاقية عند العرب والمسلمين، وكرّس شعاراته لخدمتها، وهي القدس والقضية الفلسطينية، وتمكّن بذلك من التقيّة عن أهدافه الحقيقية، إذ غرّرت تلك الشعارات بالكثير من المسلمين، وبذلك تمكّن من اختراق حركة حماس السنية، مثلاً، وبالتالي العبث بالقضية الفلسطينية لمصالح مشروعه، وأصبحت حركة حماس تدور في فلكه وتعطيه صك براءة تخفي حقيقة مشروعه المذهبي.
وتمكّن نظام الملالي من احتواء طوائف يُكفّرها في تراثه الفقهي، وهم النصيريون في سوريا والزيديون في اليمن، وتمكّن بذلك الاحتواء من ضمّ سوريا الأسدية إلى محوره، وكذلك ما زال الحوثي الزيدي أهم مخالبه الإقليمية، أما في العراق ولبنان فقد سعى لتصديع الدولة، إذ لا يُشكّل الشيعة الجعفرية أغلبية حاكمة فيهما، فأنشأ في كل بلد منهما تنظيماً قوياً ميليشاوياً يسيطر على القرار السياسي والعسكري للدولة دون أن يكون في واجهة الحكم الرسمية.
كانت الأذرع المرتبطة بالحرس الثوري تحيط بكل من إسرائيل والمملكة العربية السعودية، وإذا اعتبرنا أن الهدف الاستراتيجي للمشروع الإيراني هو السيطرة على المقدسات الإسلامية في الحجاز، فإن إسرائيل لا تعدو أن تكون أكثر من هدف تكتيكي.
فشل الأمريكان في احتواء مشروع ولاية الفقيه في المنطقة بعد كل العقوبات والمغريات التي تم تقديمها لنظام الملالي، ويمكن اعتبار أن قتل الرئيس ترامب لقاسم سليماني هو النهاية للمسعى الأمريكي بتوظيف ذلك المشروع في إطار الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.
أخّر الحرب الأمريكية على إيران وجود إدارة ديمقراطية لا تريد الحرب، والغزو الروسي لأوكرانيا ساهم أيضاً في تأخير الحرب، حيث كان ضرورياً إضعاف الروس واستنزافهم في معركة طويلة تجعلهم منشغلين فيها، ويأمنون خطر أي مغامرة روسية في أوروبا تربك حساباتهم…
بعد عودة الرئيس ترامب للبيت الأبيض بأسابيع، أعطى الضوء الأخضر لإسرائيل في حزيران 2025 لتدمير المفاعلات النووية والقدرات العسكرية الإيرانية، وشارك الجيش الأمريكي في المعركة تلك، وفي 28 فبراير 2026 بدأت الولايات المتحدة حربها المستمرة لحد الآن على إيران.
أبدت إيران مقاومة وصموداً أكثر مما كان متوقعاً، ولكن القرار الدولي قد اتُّخذ في إسقاط نظام الملالي، والذي لا يمكن التفاهم معه أو تعديل سلوكه، ولا حل إلا بإسقاطه، وتتعدد أشكال الحرب عليه كالحرب العسكرية المباشرة، والحصار الاقتصادي، والعقوبات القصوى، ومعاقبة من يحاول التعاون معه ويغامر بعلاقته مع أمريكا ومحورها.
يبدو أن الحرب قائمة بالفعل على الرأس في طهران والأذرع في المنطقة بآن واحد، ضمن معركة شاملة لن تتوقف حتى لو ارتكب الحرس الثوري خطيئة أخرى كالسيطرة على باب المندب بعد سيطرته على مضيق هرمز، وهذا الخطأ الأخير سيحشد كل القوى الدولية ضده، ولن يبقَ هناك أي مشكك أو متردد في أهمية إسقاط نظام الملالي، حيث لا يمكن السماح دولياً لقوى ثورية تحكم دولة أو ميليشيات دون الدولة بالسيطرة أو التحكم بأمن الطاقة العالمي وطرق التجارة الدولية، ومن المتوقع أن يتشكل تحالف راغبين قريباً بقيادة الولايات المتحدة لإنهاء سيطرة الحرس الثوري على المضائق البحرية، وسيكون ذلك ضمن استراتيجية إسقاط النظام الإيراني.