
ثورة الحرية والديمقراطية في سوريا.. مدينية وحاملها ليس تاريخياً
مقدمة
لعلّ الجامع الرئيس لثورات الربيع العربي هو أنها ثورات تفجّرت ضد أنظمة حاكمة أشاعت الفساد والظلم والاستبداد، ولتغيير هذه الحالات كان الشعار الأساس هو “الشعب يريد إسقاط النظام”. هذه المقولة تكثّف رفضاً عميقاً للأفق التطوري والتنموي المغلق الذي خلقته أنظمة لم تصل إلى سدّة الحكم بصورة شرعية.
الثورة السورية أنموذجاً
إن قراءة أولية لأنموذج من هذه الثورات (الثورة السورية في آذار/مارس 2011) يمكننا القول إنها ثورة مدينية، فهي بدأت بصرخات رفض لاستبداد نظام الأسد أطلقتها مجموعة من الشباب في سوق الحريقة الدمشقي الشهير. تلتها احتجاجات وتظاهرات سلمية في عدد من مراكز مدن سوريا مثل درعا وحماة وحمص ودير الزور وغيرها من المدن السورية.
الثورة السورية التي تركّزت خارج أهم مدينتين سوريتين (دمشق وحلب) يمكن أن نطلق عليها تسمية “ثورة مدن الأطراف”، هذه المدن تمّ ترييفها نتيجة سياسة حزب البعث الذي كانت قاعدته الريف السوري وليس مراكز المدن.
حزب البعث لم يدرك أهمية تمدين الأرياف السورية، أي تحويلها إلى حاضرات اقتصادية وصناعية وفق إنتاجها المحلي، وهذا شجّع كثيراً من سكان الريف للنزوح باتجاه مراكز المدن بحثاً عن فرص عمل ومعيشة لا توفرها أريافهم.
حزب البعث عمل على عكس ذلك، حيث سهّل ترييف المدن من خلال انتقال كثير من سكانه إلى حاضرات المدن، وهؤلاء هم أكثر الذين عانوا من سياسة النظام المرتكزة على ذهنية طائفية وفساد واسع وقمع واستبداد شديدين.
هذه الحالة سلّط الضوء عليها الدكتور عزمي بشارة في كتابه “سورية: درب الآلام نحو الحرية”، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، حيث أرّخ الكتاب لوقائع سنتين كاملتين من عمر الثورة السورية.
مدينية الثورة وأفقها
السؤال الرئيس الذي ينبغي طرحه في هذا السياق هو: هل مدينية أي ثورة تحدّد قدرتها على المواءمة بين شعاراتها وحاملها الرئيس؟
منذ البداية سنثبّت القول إن الحرية الإنسانية وحقوق الإنسان هي أساس للمجتمعات الأكثر صحة والأكثر قدرة على تطوير البنى الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية.. الخ، أما بناء دولة ديمقراطية فهذا يحتاج إلى توفر ظروف تاريخية ملموسة في الواقع، تتعلق بدرجة تطور البنى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وحاجتها إلى مساحة من التنافس الفكري والسياسي والثقافي والاجتماعي.
هل بنى المجتمع السوري إبان الثورة ضد نظام الاستبداد والفساد الأسدي كانت على درجة من المصلحة التاريخية المرتبطة بدرجة التطور التي ذكرناها؟ أم أن قوى الثورة كانت لها مصلحة تاريخية بتحطيم انغلاق تطور البلاد الذي أحدثه وأوصل المجتمع بكل فئاته الرئيسية إليه النظام المستبد؟
الجواب على مثل هذه الأسئلة يمكن اكتشافه في الرؤية الفكرية المعمّقة للدكتور عزمي بشارة، إذ لحظ تداخل مستويات مختلفة من الصراع في سياق الثورة ضد نظام الأسد، فالصراع بين قوى الثورة السلمية ونظام الاستبداد تداخل فيه الديني والطائفي والاقتصادي والاجتماعي، ولم يكن هناك قدرة لدى البنى المشاركة في الثورة على فرض رؤية تقول بأهمية بناء نظام ديمقراطي في البلاد، وهذا اتضح منذ البداية وأخذ أشكالاً مختلفة، منها تصوير الصراع على أنه طائفي وهذا شكل من أشكال تزييف بنية الصراع ومحتواه الرئيسي الذي يرتكز على رفض نظام نهب اقتصاد البلاد معتمداً على بنيته الأمنية والعسكرية التي حاولت تأبيد وجوده.
مدينية جذرها ريفي
حين نتحدث عن المدينية فنحن نعني أن الحالة هذه تعكس بنية اجتماعية تعتمد على اقتصاد صناعي وتجاري وخدمي لا يمكن أن يوجد في الريف الزراعي. موقع الإنسان في عملية الإنتاج الاقتصادي هذه تختلف باختلاف وسائل وأدوات وقوى الإنتاج، وهذا طبيعي، فمصلحة الفلاح الذي يمتلك حيازة صغيرة هي غير مصلحة الشركات الزراعية الكبرى، كذلك الأمر يتضح عن اختلاف في مستوى الوعي الاقتصادي والسياسي بين أصحاب الشركات الصناعية أو الخدمية عن الفئات الفلاحية، وهذا ينعكس في الوعي العام ودرجة تطوره لدى هذه الفئات.
لذلك إن الذين ثاروا بوجه نظام الاستبداد الأسدي هم ريفيو المدن الذين لم يجدوا غير الفقر والبؤس والتهميش، بينما كانت أغلب قوى رأس المال الاقتصادي في البلاد شريكة بصورة أو أخرى للنظام الاستبدادي المهيمن على البلاد، أي أنها كانت شريكة لنظام استبدادي قمعي فاسد.
وعي القوى السياسي
إن القوى التي ثارت ضد النظام الاستبدادي كانت تريد بناء دولة الحرية والكرامة، ولكنها ليست على مصلحة عميقة ببناء دولة ديمقراطية حقيقية، لأنها لا تملك وسائل وأدوات إنتاج صناعي وزراعي متطور يبحث عن فتح آفاق واسعة لتطوره. وهذا يتضح من طبيعتها البنيوية المنحدرة من فئات اجتماعية ريفية، يغلب على وعيها المستوى الأيديولوجي الديني، وليس برنامجها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي المديني الحقيقي.
لقد أدرك الدكتور بشارة هذه المعادلة وهي التي جعلته يقول بضرورة رحيل النظام وبقاء الدولة.