جبل الشيخ في معادلة التصعيد

0 74

لم تكن زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، برفقة وزير الدفاع إسرائيل كاتس، إلى موقع عسكري إسرائيلي في جبل الشيخ داخل الأراضي السورية، مجرد جولة ميدانية للاطلاع على أوضاع القوات الموجودة هناك، فاختيار المكان، وتوقيت الزيارة، وطبيعة التصريحات التي أطلقها نتنياهو وكاتس، كلها تجعل منها خطوة سياسية وأمنية تتجاوز حدود الموقع العسكري إلى المشهد السوري والإقليمي برمته. 

فمن موقعه في جبل الشيخ، تحدث نتنياهو عن أن قواته تسيطر على المنطقة الممتدة من قمة جبل الشيخ إلى نهر اليرموك، واعتبر ذلك أحد (الإنجازات) التي حققتها حكومته، مؤكداً أنه لن يسمح، وفق رؤيته، بوجود قوة يعتبرها تهديداً على الحدود الإسرائيلية.

أما كاتس فوجه رسالة مباشرة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، مؤكداً أن القوات الإسرائيلية موجودة في ما سماه (المنطقة الأمنية) وأنها (لن تتحرك من هنا) . 

وهنا يبدأ السؤال الأهم:

لماذا جبل الشيخ؟ ولماذا الآن؟

جبل الشيخ ليس مجرد موقع جغرافي مرتفع، وإنما موقع ذو قيمة عسكرية واستخبارية واستراتيجية كبيرة، نظراً لإطلالته على مساحات واسعة من جنوب سوريا والجولان وشمال فلسطين، وقربه من الحدود اللبنانية.

ولذلك فإن ظهور رئيس الحكومة ووزير الدفاع الإسرائيليين معاً في هذا المكان، وهما يتحدثان عن السيطرة والبقاء، يحمل رسالة تتجاوز الجانب العسكري المباشر.

الرسالة الأولى تبدو موجهة إلى دمشق.

فما كان يمكن تقديمه في البداية باعتباره إجراءً أمنياً مرتبطاً بظروف المرحلة الانتقالية في سوريا، يبدو اليوم أكثر تعقيداً.

استمرار التوغلات، وإنشاء مواقع عسكرية، والحديث الإسرائيلي المتكرر عن البقاء في المنطقة، كلها مؤشرات تجعل السؤال مشروعاً حول ما إذا كان الأمر يتعلق بترتيبات أمنية مؤقتة، أم بمحاولة لتثبيت واقع جديد على الأرض.

وقد حذرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا في تقرير حديث من أن النشاط العسكري الإسرائيلي في الجنوب السوري أصبح أكثر ترسخاً، مشيرة إلى عمليات توغل ومداهمات وإنشاء بنية عسكرية، ومعتبرة أن بعض الأفعال قد ترقى إلى جرائم حرب. 

ومن هنا، فإن خطورة المشهد لا تكمن في الزيارة بحد ذاتها، وإنما في المسار الذي قد تنتمي إليه الزيارة.

فإذا كان الوجود الإسرائيلي في هذه المناطق إجراءً أمنياً مؤقتاً، فإن المنطق السياسي يقتضي أن تكون له نهاية وشروط واضحة للانسحاب.

أما إذا تحول الأمر تدريجياً إلى وجود دائم وواقع عسكري مستقر، فإن المسألة تصبح مختلفة تماماً، وتنتقل من مفهوم  (الترتيب الأمني) إلى محاولة فرض واقع جديد على الأراضي السورية.

ولذلك جاء الرد السوري واضحاً.

فقد أدانت وزارة الخارجية والمغتربين السورية دخول نتنياهو إلى الأراضي السورية وزيارته جبل الشيخ، واعتبرت الخطوة استفزازية وانتهاكاً لسيادة سوريا وسلامة أراضيها والقانون الدولي، وحذرت من أن استمرار التوغلات والهجمات يمثل تصعيداً خطيراً يهدد أمن المنطقة واستقرارها، داعية إلى العودة إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974. 

لكن ثمة رسالة أخرى في زيارة نتنياهو لا ينبغي تجاهلها، وهي الرسالة الانتخابية الداخلية.

فنتنياهو لا يتحرك في بيئة سياسية عادية.

إسرائيل تتجه إلى انتخابات الكنيست في 27 أكتوبر/تشرين الأول، والاستطلاعات الأخيرة تشير إلى استمرار حالة الاستقطاب وعدم قدرة أي من المعسكرين على ضمان أغلبية واضحة، فيما يواجه معسكر نتنياهو تحدياً سياسياً جدياً. 

وفي مثل هذه الظروف، يصبح الملف الأمني جزءاً أساسياً من الخطاب السياسي.

نتنياهو يستطيع من جبل الشيخ أن يخاطب الناخب الإسرائيلي بصورة مباشرة:

حكومة تقف على الحدود، وقائد سياسي يقول إنه يفرض السيطرة ويحمي الأمن ويمنع ما يعتبره تهديداً من الاقتراب من الحدود.

ومن هنا يمكن النظر إلى الزيارة باعتبارها تحمل رسالة أمنية ورسالة سياسية ورسالة انتخابية في الوقت نفسه.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن الزيارة كانت مجرد دعاية انتخابية، فهذا تبسيط للمشهد.

لكن تجاهل العامل الانتخابي أيضاً سيكون قراءة ناقصة، خصوصاً أن توقيت الزيارة يأتي في لحظة سياسية حساسة، وبعد أيام قليلة من تطورات انتخابية مهمة داخل إسرائيل.

كما أن نتنياهو يواجه ضغوطاً سياسية متزايدة، ويعمل على توحيد معسكر اليمين قبل الانتخابات. 

وهنا تبرز مشكلة أخطر.

عندما تصبح المناطق الحدودية وملفات الأمن القومي جزءاً من المنافسة الانتخابية الداخلية، فإن خطر اتخاذ خطوات تصعيدية أو استعراضية يرتفع؛ لأن الصورة التي تحقق مكاسب سياسية في الداخل قد تكون لها نتائج مختلفة تماماً على المستوى الإقليمي.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا:

هل يمكن أن يتحول الجنوب السوري إلى ورقة في الحسابات الانتخابية الإسرائيلية؟

إذا حدث ذلك، فإن سوريا لن تكون أمام مجرد خلاف حدودي أو أمني، وإنما أمام خطر ربط أمنها الوطني بمسار سياسي داخلي في دولة أخرى.

وهذا تحديداً ما يجعل زيارة جبل الشيخ جزءاً من معادلة تصعيد أوسع.

ففي الوقت الذي تحاول فيه الدولة السورية الجديدة إعادة بناء مؤسساتها، وتثبيت سيادتها، واستعادة علاقاتها العربية والدولية، تحتاج المنطقة إلى خفض مستويات التوتر وليس رفعها.

وقد جاء في المقابل تطور دولي مهم تمثل في إغلاق مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية الملف المتعلق بالأنشطة النووية السورية السابقة، بعد تعاون الحكومة السورية الجديدة مع الوكالة، في خطوة تعكس اتجاهاً نحو إعادة إدماج سوريا في المسار المؤسساتي الدولي. 

وهنا تبدو المفارقة واضحة:

بينما تتحرك سوريا باتجاه تثبيت علاقاتها الدولية عبر المؤسسات والقانون، تتحرك القوات الإسرائيلية على الأرض باتجاه تكريس واقع عسكري جديد.

وهذا التناقض لا يخدم الاستقرار.

فالأمن الحقيقي لا يتحقق فقط بالسيطرة على المرتفعات أو توسيع المناطق العسكرية، وإنما بإزالة أسباب الصراع وبناء ترتيبات سياسية وأمنية تحظى بالشرعية والقبول.

وقد يستطيع نتنياهو أن يستخدم صورة جبل الشيخ في حملته الانتخابية، وقد يستطيع من خلالها أن يبعث برسالة قوة إلى الداخل الإسرائيلي وإلى خصومه في المنطقة، لكن السؤال الذي سيبقى قائماً هو:

إلى أين يمكن أن يقود هذا النهج إذا استمر؟

إن تحويل الأراضي السورية إلى ورقة أمنية وانتخابية، وتكريس الوجود العسكري بالقوة، لن يؤدي بالضرورة إلى أمن دائم، بل قد ينتج دائرة جديدة من التوتر يصعب التحكم بمساراتها.

وفي النهاية، فإن هذه التصرفات الرعناء لنتنياهو لن تخدم السلام ولا الاستقرار في المنطقة، بل قد تدفع نحو مزيد من التوتر، وتفتح أبواباً جديدة للتصعيد في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى التهدئة، واحترام سيادة الدول، وبناء علاقات قائمة على المصالح المشتركة والقانون الدولي، لا على فرض الأمر الواقع بالقوة.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني