القنيطرة.. حين تتحول الجغرافيا والثروات إلى فرصة تنموية

0 9

في لحظة اقتصادية دقيقة تمر بها سوريا تبدو محافظة القنيطرة أمام اختبار مختلف فالمطلوب اليوم ليس فقط إعادة تشغيل ما توقف من مشاريع وخدمات بل بناء نموذج تنموي قادر على الاستفادة من موارد المحافظة وموقعها الجغرافي وربطهما بحاجات السكان وفرص الاقتصاد الجديد.

تملك القنيطرة مقومات يمكن أن تجعلها جزءاً فاعلاً من عملية التعافي الاقتصادي السوري. فالقرب من دمشق يمثل ميزة مهمة في خفض تكاليف النقل والوصول إلى الأسواق كما تمنح الطبيعة الزراعية للمحافظة فرصة لتطوير إنتاج غذائي قادر على تلبية جزء من الطلب المحلي وخلق مصادر دخل جديدة للأسر والمنتجين.

وتبدو الزراعة المدخل الأكثر واقعية في أي استراتيجية تنموية للقنيطرة. لكن المطلوب هو تجاوز فكرة زيادة الإنتاج وحدها نحو بناء سلسلة اقتصادية متكاملة تبدأ من الأرض ولا تنتهي عند السوق. وهذا يعني دعم المزارع وتأمين مستلزمات الإنتاج وتطوير الري ثم إنشاء مرافق للفرز والتوضيب والتخزين والتصنيع الغذائي. فكل طن من المحاصيل يغادر المحافظة كمادة خام يمثل فرصة اقتصادية ضائعة إذا كان بالإمكان تحويله إلى منتج مصنع يوفر قيمة مضافة وفرص عمل أكبر.

أما المياه فهي واحدة من أهم القضايا التي يجب أن تحضر في أي نقاش حول مستقبل القنيطرة. فإدارة الموارد المائية بكفاءة وإعادة تأهيل شبكات الري والتوسع في تقنيات الري الحديثة وحصاد مياه الأمطار يمكن أن تعزز قدرة القطاع الزراعي على الصمود في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع القدرة الشرائية.

ولا ينبغي أن تتوقف الرؤية عند الزراعة. فالقنيطرة بحاجة إلى قطاع صغير ومتوسط نشط يمكن أن يستفيد من قرب المحافظة من دمشق ومن المواد الأولية المتاحة فيها. ويمكن توجيه الاستثمارات نحو الصناعات الغذائية والتعبئة والتغليف والتخزين والخدمات اللوجستية والمهن والحرف المرتبطة بالإنتاج المحلي. مثل هذه المشاريع لا تحتاج بالضرورة إلى رؤوس أموال ضخمة لكنها قادرة على خلق فرص عمل واسعة إذا توفرت لها بيئة مناسبة للتمويل والتسويق.

وتبرز السياحة الريفية والطبيعية أيضاً كمسار قابل للتطوير في المناطق التي تسمح ظروفها بذلك. فتنشيط السياحة المحلية يمكن أن يفتح أبواباً أمام المطاعم الريفية والمشاريع الأسرية والمنتجات الزراعية والحرف اليدوية ويمنح المجتمعات المحلية مصادر دخل إضافية.

لكن نجاح هذه الرؤية يتطلب قبل كل شيء تحسين البنية التحتية وتبسيط الإجراءات وتوجيه التمويل نحو المشاريع المنتجة بدلاً من الاقتصار على الإنفاق الاستهلاكي. كما يتطلب شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والمجالس المحلية والمجتمع الأهلي بحيث تصبح التنمية مسؤولية مشتركة وليست مهمة جهة واحدة.

القنيطرة لا تحتاج إلى انتظار مشروع استثنائي ينقلها إلى الأمام بل إلى منظومة متدرجة من المشاريع الواقعية التي تبدأ من مواردها وتستفيد من موقعها وتضع الإنسان في مركزها. وإذا نجحت المحافظة في تحويل الزراعة والمياه والقرب من دمشق إلى حلقات مترابطة للإنتاج والتصنيع والتسويق فإنها تستطيع أن تقدم نموذجاً محلياً مهماً للتعافي الاقتصادي في سوريا وأن تنتقل تدريجياً من اقتصاد يعتمد على الإمكانات المعطلة إلى اقتصاد يصنع الفرص من موارده المتاحة.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني