
العدالة الغائبة عن فكر الحكومة السورية
1- الصورة: هي أساس المنشور
أبلغ تعبير عن غياب العدالة والتنمية في سورية اليوم هو عندما تحاول الحكومة الانتقالية إقناعنا أن الواقع الحالي يعني الأمل بالرخاء الفاخر للسوريين. والواقع عكس ذلك ولا يحمل أي مبرر للتفاؤل. وبنظرة واحدة إلى هذه الصورة أدناه في جزئية الواقع نجد أن الحكومة تسخر من عقولنا علناً، ودون خجل.
إنها صورة تعبيرية عن ثلاثة أشخاص بقدرات متفاوتة يحاولون التفرج خلسة على مباراة في الملعب.
2- العدالة الغائبة في سورية
العدل الحقيقي أو العدالة الشاملة غائبة تماماً عن فكر وممارسة هذه الحكومة الانتقالية، بعد سقوط النظام. فالسوريون ينزلقون إلى حفرة الجوع والفقر والبطالة بصورة غير مسبوقة بينما قلة منهم تصعد إلى سماء الثروة بيسر وسهولة. وهم عندما يهوون في واد سحيق لا أحد في الحكومة يسمع صراخهم. كنا نعتقد أن نقص الخبرة هو الذي شاب التخبط الشديد في تصرفاتها. ولكن يوماً بعد يوم يظهر لنا أن المشكلة ليست الخبرة فقط، بل هي أعمق لأنها تمتد إلى جذور المنهج الإقصائي المشبع بروح فكر المتغلب والسلب والغنيمة المسيطر على استراتيجية وتكتيك هذه الحكومة. وهذا يعني أنه لا يهم لديهم أبداً أن يكون كثير من السوريين مسحوقين جداً، إن لم يكن أغلبهم طالما الطبقة الفاسدة الحاكمة ترتع وتنهب.
وهذه الطبقة الانتهازية السورية اليوم تشبه إلى حد كبير الطبقة الأوليغاركية (oligarchy) الروسية الفاسدة التي ظهرت في روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي واستولت على ثروات روسيا وتحالفت مع السلطة هناك. إنه تحالف بين المال الفاسد والسلطة في عهد بوتين وهو ما جعل روسيا دولة فاشلة رغم مظاهر قوتها. ولهذا فإن ترسيخ الواقع المنحرف في سورية الآن مصحوباً بكل الزخرفة الإعلامية لخدمة غرض هذه الطبقة الانتهازية المتماهية مع السلطة بصورة غريبة لم يعد أمراً مقبولاً بالمرة.. وبالطبع سيؤدي إلى فشل الدولة قبل السلطة.
«العدل الحقيقي أو العدالة الشاملة غائبة تماماً عن فكر وممارسة هذه الحكومة الانتقالية، بعد سقوط النظام. فالسوريون ينزلقون إلى حفرة الجوع والفقر والبطالة»
3– ولتمثيل هذه المأساة فلننظر إلى صورة الكرتون في هذا المقال وخاصة الجزء المشار إليه بكلمة (الواقع). فهذه الحكومة اختارت الحفاظ على الواقع المأساوي للسوريين حتى تظهر أنها بريئة، فبعض الأفراد لديهم قدرة على القفز خارج السور، بينما بعضهم يقبعون في الحفرة.
إن عدم اتخاذ الحكومة، بعد كل هذه المدة، أية إجراءات فعلية تجاه تحقيق العدالة الاقتصادية (وهي الأهم لمكافحة البطالة أم المصائب)، أو العدالة السياسية، أو حتى العدالة القضائية التقليدية، يبرر لنا اتهامها بأنها ضد العدل وتنحاز إلى الفساد الشامل المحمي بقوة السلطة.
4- فلسفياً: المساواة أقل من العدالة
كلنا قرأنا أو سمعنا عن مطلب المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات. وهي كلمة سحرية للعقول النيرة. المساواة المطلقة رائعة فلسفياً، ولكنها غير كافية واقعياً لأنها تعامل الضعيف والقوي، والطويل والقصير، على ذات السوية ولا ترى اختلاف قدراتهم وإمكاناتهم.
وبعدما أمعنت النظر في هذا الرسم الكرتوني المرفق (الذي كنت استخدمه في محاضراتي في كلية ماديسون الحكومية في أمريكا) الذي يقارن بين المساواة والعدل وجدت أن المساواة بمفهومها السائد لا تكفي لتحقيق العدالة بين الناس بل نحتاج إلى العدالة بمعناها الواسع.
5- الواقع هو المصيبة
انظروا ثانية إلى الرسم في الجزء المكتوب تحته (الواقع) نجد أن التمثيل هنا صحيح جداً فبعض الأفراد مسحوق جداً، وبعضهم محظوظ جداً (فوق الريح). ويبقى بعض الأفراد في حالة وسطى.
في الرسم المعنون “المساواة” لو طبقنا نظرية المساواة (كما تحاول الحكومة الايحاء إلى المتضررين من المرسوم 66 مثلاً) ومنحنا كل واحد منهم كرسياً من نفس النوع سنجدهم ارتفعوا عن مستوى الأرض. ولكن لم يتغير واقع الأفراد المسحوقين وبقوا خارج التغطية. وهذه هي المساواة (المطلقة) بمضمونها عند التطبيق. نعم قد يتحسن واقع الأفراد، ولكن الفجوة بينهم لاتزال قائمة كما كانت من قبل.
6- العدالة حالة خاصة
وفي الجزء المعنون “العدل” من الرسم الكرتوني هذا، نجد أن المجتمع انتقل من “التعميم” في المساواة إلى “التخصيص” في العدالة. أي أن كل شخص سوف يمنح كرسياً (دعماً) مختلفاً عن غيره حسب حاجته ذاته (ربما طوله). الرجل القصير سوف يحظى بكرسي مضاعف بينما الرجل الطويل لن يحظى بأي دعم لأنه قادر بذاته على المشاهدة. أما الرجل الوسط فقد حصل على كرسي طبيعي واحد. وأصبحت رؤوس الثلاثة بمستوى واحد، وأصبحوا كلهم قادرين على الرؤية المربحة.
7- زبدة الكلام
إن هذه المقارنة المبسطة عن العدل والمساواة والواقع المزري باستخدام أدوات اقتصادية أكاديمية هي لإرسال رسالة إلى الناس أن هذه الحكومة لا يعنيها الشعب وتفضل بقاء السوريين في واقعهم المزري وأن المشاريع الفخمة (إن حصلت) التي نسمع عنها في الإعلام ستكون لطبقة النهب والفساد المحمية.