
الشخص بين الهوية والماهية – مصنوع أم صانع
حين كنت في لندن كنت أبحث عن بويت رخيص عوضاً عن الفندق الذي أقيم فيه.
وسألت بعض من تعرفت إليهم حول مطلبي هذا: فجاءني شخص قديم الإقامة وقال لي بكل سعادة: وجدت لك بيتاً قليل الأجر والأهم بجوارك الجامع ولحام يذبح على الطريقة الإسلامية.
ما الذي حمل شخصاً يقيم في لندن منذ أكثر من ثلاثة عقود أن يحتفظ بثقافة الموضوعية بوصفها جزءاً من هويته؟
هل نقوّم كل الذين ينتمي إليهم هذا الشخص بناء على حالته التي ظهر عليها؟
وقس على ذلك في بيئتنا كيف نفسر استيقاظ العصبيات الهوياتية لدى أهل الثقافة.
هل من العلم، والعلم ما كانت أحكامه موضوعية، أن نصدر حكماً على الفرد استناداً إلى أصله وفصله، ومنبته الطبقي، وانتمائه القروي أو المديني والذهنية الموروثة؟ أي من الهوية التي هو عليها.
أم إن الفرد يكوّن شخصيته، بدرجة ما، بوعيه بذاته وخياراته الحرة، وقدرته على التحرر من الذهنية الموروثة؟ أي أن الشخص يكون ماهيته على هواه.
وسؤالنا هذا نابع من قول الفلسفة: لا علم إلا بالكليات. وهنا نواجه المشكلة التي نشأت من التمييز بين العلم الطبيعي والعلوم الإنسانية. فليس لأحد أن يناقش في صحة الحكم الموضوعي بأن الحديد يتمدد بالحرارة، وأن المعادن جميعها تتمدد بالحرارة. والاستثناء لا يغير من القاعدة. ولكن هل يصح الحكم بأن جميع سكان المدن مقتصدون؟ وأن ردود فعل جميع القرويين عنيفة في التعبير عن الاختلاف؟
قبل أن أجيب عن هذا السؤال أقول لكم الإنسان هوية يتكون من الاسم والصفات البيولوجية والجنسية والانتماء الديني والقومي واللغة وأثر الثقافة الموضوعية. كل ما سبق ليس اختياراً شخصياً. ثم هو ماهية يكونها عبر مسارات حياته وموقفها المتغير بسبب الشروط التي تحمله على التفكير والتغير. هذا بشكل عام.
والإنسان بوصفه هذا وضع علم النفس وعلم الاجتماع وعلم التربية في مأزق شديد: فهل يمكن الثقة بأحكام عامة لهذه العلوم، التي يستحسن بعضهم تسميتها بالمباحث، لافتقارها إلى دقة أحكام علوم الطبيعة؟
دعونا نطرح السؤال الآتي: هب أن شخصاً قروياً ورث الوعي بالثأر بكل أشكاله، من الثأر قتلاً إلى الثأر انتقاماً كلامياً، والثأر يعود إلى الثقافة الموضوعية التي عاشت في أحضانها الشخصية. فهل الحكم الذي يقول بأن كل قروي شخص ثأري حكم صحيح أم خاطئ؟ وهل هو حكم ينسحب على جميع القرويين؟
الجواب: حكم صحيح بعامة وخاطئ نسبياً.
أو هل نحكم على شخص شيعي أو علوي أو درزي، عاش في ثقافة تتوارث صفة التقية بوصفها جزءاً من وعيه الديني، بأنه تقويّ بالضرورة؟ وهل الحكم بأن جميع المنتمين إلى المذاهب الباطنية تقويون حكم صحيح أم خاطئ؟ التقية ثقافة موضوعية أثرها كبير على تكوين الشخصية
أعود للسؤال: هل تصبح الهوية بوصفها الصفات المتوارثة بنية لا شعورية، سرعان ما تظهر بتوافر أسبابها، وكان الظن أنها لم تعد من بنية الشخص؟
أن يكون الشخص قد وُجد في بنية وعاش فيها يعني أنه ثمرة هذه البنية بقيمه وأخلاقه وردود أفعاله وثقافته ووعيه الجمالي. ولا يمكن أن يتحرر هذا الكائن من بعض عناصر البنية التي خلقته، أو منها كلها، إلا إذا كوّن وعياً جديداً بعالمه، إلا إذا وصل إلى حد من الوعي النقدي لعالمه. وهذا الأمر لا يتوفر للجميع.
ولهذا فإن كثيراً من الناس يتساءلون بدهشة: كيف لمن درسوا في أوروبا وأمريكا، وقضوا سنوات طوالاً هناك، ولم يصبهم أي تغير في وعيهم المحلي، وعادوا كما ذهبوا؟
الثقافة الموضوعية: دينية أو طائفية أو مناطقية أو قومية تؤسّس للذهنية والتحرر منها ممكن ولكنه صعب، لأنها ذات تاريخ طويل.
سألني أحدهم: كيف نفسر أن شخصاً دافع عن الحداثة، ويعلن المواجهة العلنية للدين، غادر بلدته منذ أكثر من ثلاثة عقود وتخرج من جامعاتها ثم فجأة عاد إلى هويته الضيقة ورش على ماهيته المعلنة الملح كما يرش الملح على وحيد الخلية البزاّق.
إن التحرر من البنية الطابعة المصنوعة أمر في غاية الصعوبة، ولهذا يتطلب التحرر من البنية الطابعة عقلاً يعمل بحرية، وبمنطق عملي، وقدرة على حب الجديد والتلاؤم معه، وهذا أمر ممكن ولكن لا يتوفر لجميع الناس.
ولهذا، عندما نقول عن شخص ما بأن لديه عقابيل من وعيه القديم بالعالم، ومن ثقافته الموروثة من المجتمع الضيق الذي عاش فيه، ومن طبقته التي ينتسب إليها، فإننا نقول ذلك إذا تحرر من هذا كله ولم يبق منه إلا القليل.
أما إذا أبقى على الكثير منه في وعيه وثقافته وذهنيته، ولم يغادره وهو يعيش في عالم جديد مختلف، فهو هوية لم تتغير، شأنها شأن الأشياء.
والسلوك النظري والعملي هو المعيار للحكم على الظاهرتين. إن الهوية هنا تحولت إلى ماهية وصار الإنسان إنساناً مصنوعاً، حتى لو بدى في لحظة ما صانعاً لماهيته، كل هوية تحولت إلى ماهية متعصبة هي هوية انتماء قوي بمعزل عن الموضوعية.